ابن عربي
501
الفتوحات المكية
بالعين الواحدة ولا بالظاهر في المظاهر لأن الكثير مشهود لا الكثرة فالكثرة معقولة والكثير موجود مشهود فمن هنا ظهر حكم حال الغيرة في الأشياء واتصف بالغيرة إلا له والشئ لا يكون غير نفسه إلا إذا كان الشئ أشياء فيكون كل شئ غيرا للشئ الآخر والحق ليس بأشياء فلا يقبل الغير وقد اتصف بأنه غيور ومن غيرته حرم الفواحش فتدبر ما ذكرناه حتى تعرف ما الفاحشة وما الفعل المسمى فاحشة وغير فاحشة فالغير على الحقيقة ثابت لا ثابت هو لا هو فأما حال الغيرة في الحق وهي الغيرة التي تكون عند رؤية المنكر والفواحش وهي التي اتصف الحق بها والملأ الأعلى والرسل وصالحوا المؤمنين على إن الغيرة مركوزة في الطبع فلا بد منها إلا أنها تنقسم إلى محمود ومذموم وكلامنا في المحمود منها وهي الغيرة في الحق وهي من أشكل المسائل فإنه تعالى من غيرته حرم الفواحش ثم إذا وقعت الفواحش في الكون لم نره يسرع بالأخذ عليها لا دنيا ولا آخرة فعلمنا إن ثم مانعا أقوى يمنع من ذلك يكون ذلك المانع أعظم إحاطة وتكون نسبته إلى الغيرة نسبة العلم الإلهي إلى القدرة الإلهية فإن القدرة وإن تعلقت بما لا يتناهى من الممكنات فلا تشك أن العلم أكثر إحاطة منها لأنه يتعلق بها وبالممكنات والواجبات والمستحيلات والكائنات وغير الكائنات مع ما يعطي الدليل أن ما لا يتناهى لا يفضل ما لا يتناهى كذلك السبب الموجب لترك المؤاخذة على ما يقع عمن يأتي ما وقعت عليه الغيرة ولا بد أن يكون أقوى من حال الغيرة هذا كله في حق الحق وأما في حق المخلوق فلا بد من تغيير النفس وهو مكلف بها في الحق لا بد من ذلك ومذموم من لم يجد ذلك من المكلفين فإنه مخاطب بتغييره من يده بالفعل إلى لسانه بالقول إلى وجود ذلك في النفس وهو أضعف الايمان في الزمان لا في نفس الغيور فحال الغيرة هو ما يجده الغيور من اختلاف الأمر عليه في نفسه عند وقوع ما لا يرضى الله سواء وقع ذلك منه أو من غيره بل من هذه صفته هو معصوم فإن من وقع منه ما يوجب الغيرة ولا يغار وإذا رأى ذلك من الغير أدركته الغيرة فليست بغيرة حقية إلهية وإنما هي غيرة نفسية لا قربة فيها إلى الله تعالى تلك هي الغيرة الإلهية الصحيحة ولكن لا يشعر بها كثير من أهل الله إلا من عرف الحق حق معرفته فإن الله هو الغيور الأعظم في الغيرة من المخلوق وهو الفاعل للأمر الذي يوجب الغيرة ولا يؤاخذ على ذلك أخذ عموم فكذلك من توجد منه الغيرة في حق زيد لفعل خاص وإذا وقع منه ذلك الفعل لا يجد غيرة فلهذا قلنا صاحب هذا الحال أحق وأقرب للاتصاف بالنعت الإلهي بالغيرة من الذي يغار مطلقا في حق نفسه وغيره ومن أجل ذلك سمي معصوما أو محفوظا فلم يقع منه ما يوجب الغيرة وهو السعيد في العموم المثنى عليه في الشرع والآخر يذم كما يذم الجبار من المخلوقين وإن كان الجبروت وصفا إلهيا كذلك خصوص الغيرة لا ينبغي للمؤمن أن يتصف بذلك بل تعم غيرته في الحق وحينئذ يحمده الله تعالى ويثني عليه فقد نبهتك على سر من أسرار الغيرة لتستريح إليه إن تفطنت له ولا تستعمله فتشقى بل كن لله غيورا في الحق مطلقا من غير تقييد وأما حال الغيرة على الحق وهي كتمان السرائر والأسرار وتلك حالة الأخفياء الأبرياء من الملامية المجهولين المجهولة مقاماتهم فلا يظهر عليهم أمر إلهي يعرف به إن لله عناية بهم فأحوالهم تستر مقامهم لحكمة الموطن فإنهم لا يظهرون في محل النزاع إذ كان سيدهم وهو الله تعالى قد نوزع في ألوهيته في هذه الدار وهذه الطائفة متحققة بسيدها فمنعهم ذلك التحقق أن يظهروا في الموطن الذي استتر سيدهم فيه فجروا مع العامة على ما هي العامة عليه من ظاهر الطاعات التي لم تجر العادة في العرف أن يسموا بها أنهم من أهل الله لأنهم ما ظهر منهم ما يتميزون به عن العامة من الأفعال كما ظهر من بعض الأولياء من خرق العوائد في الأحوال أو من تتبع تغيير المنكرات إذا بدت تغييرا يتميز به عن التغيير العام بحيث أن يشار إليه فيه فهذه حال الغيرة على الحق وأما حال الغيرة من الحق وهي ضنته بأوليائه حيث سترهم عن سائر عباده فحبب إليهم الستر ووفقهم للمعرفة بحكم الموطن فاتصفوا بصفة سيدهم فكانوا عنده خلف حجب العوائد فهم ضنائن الله وعرائسه فهم عنده كهو عندهم فما يشاهدون سواه ولا ينظر هو إلا إليهم فمن أراد أن يعرفهم فليسلك مسلك الغيرة على الحق فينتظم في سلكهم وأما قول بعضهم في الغيرة على الحق أن يذكر بالسنة الغافلين فكل لسان ذكره فليس بغافل بل له ثمرة صحيحة ينالها الذاكر وهو اللسان وإن لم تقرن به نية من نفس صاحب ذلك اللسان فما ذكره ذاكر بغفلة قط بل ذلك من قوله تعالى وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم مثل هؤلاء