ابن عربي

491

الفتوحات المكية

خارج أو من داخل فإن كان من خارج فقد يثبت وقد لا يثبت وإن كان من داخل فإنه يثبت ولا بد كإبراهيم بن أدهم فإنه نودي من قربوس سرجه فالتفت نحوه فإذا النداء من قلبه فتخيل أنه من قربوس سرجه وكصاحب القنبرة العمياء حين انشقت لها الأرض عن سكرجتين ذهب وفضة في الواحدة ماء وفي الأخرى سمسم فأكلت من السمسم وشربت من الماء فكانت القنبرة العمياء نفسه مثلت له في هذه الصورة لأنها كانت في حال عمى من المخالفة مع ما هو عليه من نعمة الله فعلم ذلك فرجع إلى الله فهذه أمثلة ضربت لهم فالصورة تظهر من خارج والأمر عنده في حاله ولذلك ثبتوا وقد يكون التنبيه الإلهي من واقعة ومن الواقعة كان رجوعنا إلى الله وهو أتم العلل لأن الوقائع هي المبشرات وهي أوائل الوحي الإلهي وهي من داخل فإنها من ذات الإنسان فمن الناس من يراها في حال نوم ومنهم من يراها في حال فناء ومنهم من يراها في حال يقظة ولا تحجبه عن مدركات حواسه في ذلك الوقت وإنما سميت علة لأنها تورث ألما في النفس على ما فاته من الحق الذي خلق له ويتوهم أنه لو مات في حال المخالفة كيف يكون وجهه عند الله ولو غفر له أما كان يستحيي منه حيث عصاه بنعمته ومن نعمته عليه أنه أمهله ولم يؤاخذه بما كان منه كما قلنا في نظم لنا يا من يراني ولا أراه * كم ذا أراه ولا يراني فقال لي بعض إخواني كيف تقول إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك فقلت له في الحال مرتجلا يا من يراني مجرما * ولا أراه آخذا * كم ذا أراه منعما * ولا يراني لائذا فلو لم يكن في المخالفة إلا الاستحياء لكان عظيما بل هو أعظم من العقوبة فالمغفرة أشد على العارفين من العقوبة فإن العقوبة جزاء فتكون الراحة عقيب الاستيفاء فهو بمنزلة من استوفى حقه والغفران ليس كذلك فإنك تعرف أن الحق عليك متوجه وأنه أنعم عليك بترك المطالبة فلا تزال خجلا ذا حياء أبدا ولهذا إذا غفر الله للعبد ذنبه حال بينه وبين تذكره وأنساه إياه فإنه لو تذكره لاستحيا ولا عذاب على النفوس أعظم من الحياء حتى يود صاحب الحياء إنه لم يكن شيئا كما قالت الكاملة يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا هذا حياء من المخلوق كيف نسبوا إليها ما لا يليق ببيتها ولا بأصلها ولهذا قالوا ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغيا فبرأها الله مما نسبوا إليها لما نالها من عذاب الحياء من قومها فكيف الحياء من الله فيما يتحققه العبد من مخالفة أمر سيده فإن قلت وهل يمكن أن يعصى على الكشف قلنا لا قيل فقول أبي يزيد لما قيل له أيعصي العارف والعارف من أهل الكشف فقال وكان أمر الله قدرا مقدورا فجوز قلنا هكذا يكون أدب العارفين مع الحق في أجوبتهم حيث قال إن كان الله قدر عليهم في سابق علمه ذلك فلا بد منه وهي معصية فلا بد من الحجاب كما قال صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى إذا أمضى فيهم قدره ردها عليهم ليعتبروا وكذلك حال العارف إذا أراد الله وقوع المخالفة منه ومعرفته تمنعه من ذلك فيزين الله له ذلك العمل بتأويل يقع له فيه وجه إلى الحق لا يقصد العارف به انتهاك الحرمة كما فعل آدم كالمجتهد يخطئ فإذا وقع منه المقدور أظهر الله له فساد ذلك التأويل الذي أداه إلى ذلك الفعل كما فعل بآدم فإنه عصى بالتأويل فإذا تحقق بعد الوقوع أنه أخطأ علم أنه عصى فعند ذلك يحكم عليه لسان الظاهر بأنه عاص وهو عاص عند نفسه وأما في حال وقوع الفعل منه فلا لأجل شبهة التأويل كالمجتهد في زمان فتياه بأمر ما اعتقادا منه أن ذلك عين الحكم المشروع في المسألة وفي ثاني حال يظهر له بالدليل أنه أخطأ فيكون لسان الظاهر عليه أنه مخطئ في زمان ظهور الدليل لا قبل ذلك فإن كان العارف ممن قيل له على لسان الشارع افعل ما شئت فقد غفرت لك فما عصى لا ظاهرا ولا باطنا عند الله وإن كان لسان الظاهر عليه بالمعصية لأنه لم يدرك نسخ ذلك بالإباحة من الشارع فلسان الظاهر كمجتهد مخطئ بري إصابة غيره من المجتهدين خطأ اعتمادا منه على دليله فمن كان هذا مقامه فما فعل فعلا يوجب له الحياء مع لسان الظاهر عليه بالمعصية فمن تنبيهات الحق التوفيق لإصابة الأدلة كما هي في نفس الأمر ليكون على بصيرة وهو المعتنى به في أول قدم فإذا أورثته العلة علة طهرته فإذا وقع التطهير أنسي ما كان عليه من المخالفة وشغل بما توجه إليه مبسوطا لا مقبوضا ولذلك قال بعضهم في حد التوبة أن تنسى ذنبك ومعنى ذلك عند هذا القائل إن الله تعالى إذا قبل توبتك أنساك