ابن عربي
461
الفتوحات المكية
وبين الذهبية أن يصل إلى منزلتها ويظهر صورتها فيه فيفوز بدرجة الكمال ويجوز صفة العزة والمنع عن التأثير فيه وتساعد هذا الطبيب سباحة الأنوار السبعة في أفلاكها أعني الدراري وهي القمر والكاتب والزهرة والشمس والأحمر والمشتري وكيوان بما في قوتها لما يعطيه بعضها من اختلاف الزمان وحكم كل زمان يخالف حكم الذي يليه من وجه ويوافقه من وجه ويخالفه من جميع الوجوه ولا يمكن أن يوافقه من جميع الوجوه إذ لو وافقه لكان عينه ولم يكن اثنان وهما اثنان بلا شك فالموافقة من جميع الوجوه لا تكون ولكرور هذه الأزمان وتوالي الجديدين أثر في الأركان وأثر في عين الولد في تسوية جوهره وتعديله فإذا سواه وعدله وهو أن يصيره جوهرا قابلا لأي صورة يريد الحق أن يركبه فيها والصور مختلفة فاختلفت المعادن كما اختلف النبات بالصورة كما اختلف الحيوان بالصورة وهو من حيث الجوهر الطبيعي واحد العين ولهذا يعمه من حيث جوهره حد واحد وما تختلف الحدود فيه إلا من أجل الصورة وكذلك في الآباء والأمهات بل جوهر العالم كله واحد بالجوهرية والعين تختلف بالصور وما يعرض له من الأعراض فهو المجتمع المفترق والواحد الكثير صورة الحضرة الإلهية في الذات والأسماء فيرد الحاذق الجوهر المعلول الذي عدلت به علته عن طريق الكمال إلى طريقه ليتمكن من تدبيره وحفظ بقاء صحته عليه ويحفظه مما بقي له في طريقه من منازل التغييرات الحائلة بينه وبين رتبة الكمال وإنما فعل الله هذا بهذا الجوهر في الطريق وسلط عليه من يعله ويمرضه حتى يحول بينه وبين بلوغه إلى رتبة الكمال العدني لمصالح هذا النوع الإنساني لعلمه بأنه يحتاج إلى آلات وأمور لا بد له منها ولا يكون له هذه الآلات إلا بقيام هذه الأمراض بهذا الجوهر وعدوله عن الطريق وحال الله سبحانه بين الأطباء وبين العلم بإزالة هذه الأمراض من هذا الجوهر إلا الأمناء منهم الذين علم الله منهم أنهم يبقون الحكمة على ما وضعها الله في العالم فيبقى الحديد حديدا لما فيه من المنافع التي لا تكون في الذهب ولا في غيره من المعادن كما قال تعالى وأنزلنا الحديد يريد أنه أنزله عن رتبة الكمال لأجل ما فيه من منافع الناس فلو صح من مرضه لطغى وارتفع ولم توجد تلك المنافع وبقي الإنسان الذي هو العين المقصودة معطل المنافع المتعلقة بالحديد التي لا تكون إلا فيه ففيه كما قال الله بأس شديد ومنافع للناس وهكذا سائر المعادن فيها منافع للناس وقد ظهرت واستعملها الإنسان فانظر ما أشد عناية الله بهذا النوع الإنساني وهو غافل عن الله كافر لنعمه متعرض لنقمه ولما علم الله أن في العالم الإنساني من حرمه الله الأمانة ورزقه إذاعة الأسرار الإلهية وسبق في علمه أن يكون لهذا الذي هو غير أمين رزقه في علم التدبير رزقه الشح به على أبناء جنسه بخلا وحسدا ونفاسة أن يكون مثله غيره فترك العمل به غير مأجور فيه ولا موافق لله ثم إن الله كثر المعادن ولم يجعل لهذا الإنسان أثرا إلا فيما حصل بيده منها وما عسى أن يملك من ذلك فيظهر في ذلك القدر تدبيره وصنعته ليعلم العقلاء الحكماء أنه غير أمين فيما أعطاه الله فإنه ما أذن له في ذلك من الله ثم إن الله جعل للملوك رغبة في ذلك العلم فإذا ظهر به من ليس بأمين عندهم سألوه العلم فإن منعهم إياه قتلوه حسدا وغيظا وإن أعطاهم علم ذلك قتلوه خوفا وغيرة ولما علم العالم أن ما له مع الملوك إلا مثل هذا لم يظهر به عندهم ولا عند العامة لئلا يصل إليهم خبره لا أمانة وإنما ذلك خوفا على نفسه فلا يظهر في هذه الصنعة عالم بها جملة واحدة والمتصور فيها بصورة العلم يعلم في نفسه أنه ما عنده شئ وأنه لا بد أن يظهر للملك دعواه الكاذبة فيأمن غائلته في الغالب من القتل ويقنع بما يصل إليه من جهته من الجاه والمال للطمع الذي قام بذلك الملك فما ظهر عالم بهذه الصنعة قط ولا يظهر غيرة إلهية مع كونه قد رزقه الله الأمانة في نفسه ومن هذا الاسم الإلهي وجود الأحجار النفيسة كاليواقيت واللآلئ من زبرجد وزمرد ومرجان ولؤلؤ وبلخش وجعل في قوة الإنسان إيجاد هذا كله أي هو قابل إن يتكون عنه مثل هذا ويسمى ذلك في الأولياء خرق عادة والحكايات في ذلك كثيرة ولكن الوصول إلى ذلك من طريق التربية والتدبير أعظم في المرتبة في الإلهيات ممن يتكون عنه في الحين بهمته وصدقه فإن الشرف العالي في العلم بالتكوين لا في التكوين لأن التكوين إنما يقوم مقام الدلالة على إن الذي تكون عنه هذا بالتدبير عالم وصاحب خرق العادة لا علم له بصورة ما تكون عنه بكيفية تكوينها في الزمن القريب والعالم يعلم ذلك