ابن عربي

391

الفتوحات المكية

وبذا وردت الأسماء الإلهية وورد في الصحيح أن الله خلق آدم على صورته وهو الإنسان الكامل المختصر الظاهر بحقائق الكون كله حديثه وقديمه وجعل سبحانه النفس بخرج من القلب للأمر الذي قد علم وقررناه فيجد المخارج إذا قصد المتنفس الكلام وإن لم يقصد الكلام كان النفس بالحرف الهاوي خاصة وما هو عندنا من الحروف وهو يهوى على ثلاث مراتب هو يا ذاتيا يعبر عنه بالألف وهو المسمى عند القراء الحرف الهاوي فإذا مر بالأرواح العلوية في هويه حدث له منها واو العلة وهو امتداد الهواء من المتنفس عن ضم الحرف وهو إشباع حركة الضم وإذا مر بالأجسام الطبيعية السفلية في هويه حدث له من ذلك ياء العلة وهو امتداد الهواء من المتنفس عن خفض الحرف وهو إشباع حركة الخفض لأن الخفض من العالم الأسفل وما لهذا النفس في هويه أكثر من هذه الثلاث المراتب فاعلم ذلك فحدثت رسالة الملك بالواو المضموم ما قبلها وحدثت رسالة البشر بالياء المكسور ما قبلها وكان الألف على الأصل عن الله وهو سبب الأسباب كلها ولما ذكر الله عن نفسه أنه الظاهر وأنه الباطن وأن له كلاما وكلمات ذكر أن له نفسا من الاسم الرحمن الذي به استوى على العرش فاسأل به خبيرا وهو العارف من عباد الله من نبي وغيره ممن شاء الله من عباده لأنه قال يؤتي الحكمة من يشاء فنكر الأمر ولم يعرفه فهو نكرة في معرفة يعلمها هو لا غيره لأن الأمور معينة عنده مفصلة ليس في حقه إجمال ولا يصح ولا مبهم مع علمه بالمجمل في حق من يكون في حقه الأمر مجملا ومبهما وغير ذلك فلما علمنا أن له نفسا وأنه الباطن وأن له كلاما وأن الموجودات كلماته علمنا أن الله ما أعلمنا بذلك إلا لنقف على حقائق الأمور بأنا على الصورة فنقبل جميع ما تنسبه الألوهة إليها على ألسنة رسلها وكتبها المنزلة وجعل النطق في الإنسان على أنم الوجود فجعل له ثمانية وعشرين مقطعا للنفس يظهر في كل مقطع حرفا معينا ما هو عين الآخر ميزه المقطع مع كونه ليس غير النفس فالعين واحدة من حيث إنها نفس وكثيرة من حيث المقاطع وجعلها ثمانية وعشرين لأن العالم على ثمانية وعشرين من المنازل التي تجول السيارة فيها وفي بروجها وهي أمكنتها من الفلك المستدير كأمكنة المخارج للنفس لإيجاد العالم وما يصلح له ولكل عالم أعطت هذه المقاطع التي أظهرت أعيان الحروف ثم قسم هذه المقاطع إلى ثلاثة أقسام قسم أقصى عن الطرف الأقصى الآخر فالأقصى الواحد يسمى حروف الحلق وهو على طبقات والأقصى الثاني حروف الشفتين وما بينهما حروف الوسط فإن الحضرة الإلهية على ثلاث مراتب باطن وطاهر ووسط وهو ما يتميز به الظاهر عن الباطن وينفصل عنه وهو البرزخ فله وجه إلى الباطن ووجه إلى الظاهر بل هو الوجه عينه فإنه لا ينقسم وهو الإنسان الكامل أقامه الحق برزخا بين الحق والعالم فيظهر بالأسماء الإلهية فيكون حقا ويظهر بحقيقة الإمكان فيكون خلقا وجعله على ثلاث مراتب عقل وحس وهما طرفان وخيال وهو البرزخ الوسط بين المعنى والحس فلما عرفنا الله أنه باطن وظاهر وله نفس وكلمة وكلمات نظرنا ما ظهر من ذلك ولم ينسب إلى ذاته النفس وما يحدث عنه فقلنا عين النفس هو العماء فإن نفس المتنفس المقصود بالعبارة عنه ما يتنزل منزلة الريح وإنما يتنزل منزلة البخار فالنفس هذا حقيقته حيث كان فكان عنه العماء كما يحدث العماء عن بخار رطوبات الأركان فيصعد ويعلو فيظهر منه العماء أولا ثم بعد ذلك يكثف والهواء يحمله والريح تسوقه فما هو عين الهواء وإنما هو عين البحار ولذلك جاء في صفة العماء الذي كان فيه ربنا قبل خلق الخلق إنه عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء فذكر أن له الفوق وهو كون الحق فيه والتحت وهو كون العالم فيه فلم يكن ثم غير نفس الحق ففيه يكون الهواء وجرت الرياح ما بين زعزع ورخاء وهي الحروف الشديدة والرخوة وظهر عن هذا النفس أصوات الرعود كالحروف المجهورة وهبوب النسيم وهي الحروف المهموسة وظهرت الطباق في الأفلاك كالحروف المطبقة من تنفس الإنسان بالقول إذا قصده وهو في الإلهيات إذا أردناه أن نقول له كن فالحروف لمطبقة في النفس الإلهي وجود سبع سماوات طباقا وكل موجود في العالم على جهة الانطباق وأبرز في هذا النفس الإلهي افتتاح الوجود بالكون إذ كان ولا شئ معه وجعلها في المتنفس حقيقة الحروف المنفتحة ثم لما أوجد العالم وفتح صورته في العماء وهو النفس الذي هو الحق المخلوق به مراتب العالم وأعيانه وأبان منازله جعل منه عالم الأجسام كالحروف المنسفلة لأنها من جانب الطبيعة وهو حد الكون الظلم وجعل منه عالم الأرواح وهو الحروف المستعلية في المتنفس بالنفس الإنساني