ابن عربي

346

الفتوحات المكية

كلام محبوبه وذكره بتلاوة ذكره موافق لمحاب محبوبه خائف من ترك الحرمة في إقامة الخدمة يستقل الكثير من نفسه في حق ربه ويستكثر القليل من حبيبه يعانق طاعة محبوبه ويجانب مخالفته خارج عن نفسه بالكلية لا يطلب الدية في قتله يصبر على الضراء التي ينفر منها الطبع لما كلفه محبوبه من تدبيره هائم القلب مؤثر محبوبه على كل مصحوب محو في إثبات قد وطأ نفسه لما يريده به محبوبه متداخل الصفات ما له نفس معه كله له يعتب نفسه بنفسه في حق محبوبه ملتذ في دهش جاوز الحدود بعد حفظها غيور على محبوبه منه يحكم حبه فيه على قدر عقله جرحه جبار لا يقبل حبه الزيادة بإحسان المحبوب ولا النقص بجفائه ناس حظه وحظ محبوبه غير مطلوب بالآداب مخلوع النعوت مجهول الأسماء كأنه سأل وليس بسال لا يفرق بين الوصل والهجر هيمان متيم في إدلال ذو تشويش خارج عن الوزن يقول عن نفسه إنه عين محبوبه مصطلم مجهود لا يقول لمحبوبه لم فعلت كذا أو قلت كذا مهتوك الستر سره علانية فضيحة الدهر لا يعلم الكتمان لا يعلم أنه محب كثير الشوق ولا يدري إلى من عظيم الوجد ولا يدري فيمن لا يتميز له محبوبه مسرور محزون موصوف بالضدين مقامه الخرس حاله يترجم عنه لا يحب العوض سكران لا يصحو مراقب متحر لمراضيه مؤثر في المحبوب الرحمة به والشفقة لما يعطيه شاهد حاله ذو أشجان كلما فرع نصب لا يعرف التعب روحه عطية وبدنه مطية لا يعلم شيئا سوى ما في نفس محبوبه قرير العين لا يتكلم إلا بكلامه هم المسمون بحملة القرآن لما كان المحبون جامعين جميع الصفات كانوا عين القرآن كما قالت عائشة وقد سألت عن خلق رسول الله ص فقالت كان خلقه القرآن لم تجب بغير هذا وسئل ذو النون عن حملة القرآن من هم فقال هم الذين أمطرت عليهم سحاب الأشجان وأنصبوا الركب والأبدان وتسربلوا الخوف والأحزان وشربوا بكأس اليقين وراضوا أنفسهم رياضة الموقنين فكان قرة أعينهم فيما قل وزجا وبلغ وكفا وستر ووارى كحلوا أبصارهم بالسهر وغضوها عن النظر وألزموها العبر وأشعروها الفكر فقاموا ليلهم أرقا واستهلت آماقهم نسقا صحبوا القرآن بأبدان ناحلة وشفاه ذابلة ودموع زائلة وزفرات قاتلة فحال بينهم وبين نعيم المتنعمين وغاية آمال الراغبين فاضت عبراتهم من وعيده وشابت ذوائبهم من تحذيره فكان زفير النار تحت أقدامهم وكان وعيده نصب قلوبهم ومن ألطف ما روينا في حال المحب عن شخص من المحبين دخل على بعض الشيوخ فتكلم الشيخ له على المحبة فما زال ذلك الشخص ينحل ويذوب ويسيل عرقا حتى تحلل جسمه كله وصار على الحصير بين يدي الشيخ بركة ماء ذاب كله فدخل عليه صاحبه فلم ير عند الشيخ أحدا فقال له أين فلان فقال الشيخ هو ذا وأشار إلى الماء ووصف حاله فهذا تحليل غريب واستحالة عجيبة حيث لم يزل ينحف عن كثافته حتى عاد ماء فكان أولا حيا بماء فعاد الآن يحيي كل شئ لأن الله قال وجعلنا من الماء كل شئ حي فالمحب على هذا من يحيا به كل شئ ( وأخبرني ) والدي رحمه الله أو عمي لا أدري أيهما أخبرني أنه رأى صائدا قد صاد قمرية حمامة أيكة فجاء ساق حر وهو ذكرها فلما نظر إليها وقد ذبحها الصائد طار في الجو محلقا إلى أن علا ونحن ننظر إليه حتى كاد يخفى عن أبصارنا ثم إنه ضم جناحيه وتكفن بهما وجعل رأسه مما يلي الأرض ونزل نزولا له دوي إلى أن وقع عليها فمات من حينه ونحن ننظر إليه هذا فعل طائر فيأيها المحب أين دعواك في محبة مولاك ( وحدثنا ) محمد بن محمد عن هبة الرحمن عن أبي القسم بن هوازن قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت أحمد بن علي يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت سمنونا وهو جالس يتكلم في المسجد في المحبة وجاء طير صغير قريبا منه ثم قرب فلم يزل يدنو حتى جلس على يده ثم ضرب بمنقاره الأرض حتى سأل منه الدم ومات هذا فعل الحب في الطائر قد أفهمه الله قول هذا الشيخ فغلب عليه الحال وحكم عليه سلطان الحب موعظة للحاضرين وحجة على المدعين لقد أعطانا الله منها الحظ الوافر إلا أنه قوانا عليه والله إني لأجد من الحب ما لو وضع في ظني على السماء لانفطرت وعلى النجوم لانكدرت وعلى الجبال لسيرت هذا ذوقي لها لكن قواني الحق فيها قوة من ورثته وهو رأس المحبين إني رأيت فيها في نفسي من العجائب ما لا يبلغه وصف واصف والحب على قدر التجلي والتجلي على قدر المعرفة وكل من ذاب فيها وظهرت عليه أحكامها فتلك المحبة الطبيعية ومحبة العارفين لا أثر لها في الشاهد فإن المعرفة تمحو آثارها لسر تعطيه لا يعرفه إلا العارفون فالمحب العارف حي لا يموت روح مجرد لا خبر للطبيعة