ابن عربي
327
الفتوحات المكية
ويتغير وجهه وباطنه بحكم الوهم وسلطانه وهذا موجود فللوهم سلطان في مواطن وللعقل سلطان في مواطن فلنذكر في هذا الباب إن شاء الله من لوازم الحب ومقاماته ما تيسر فنقول إن الحب تعلق خاص من تعلقات الإرادة فلا تتعلق المحبة إلا بمعدوم غير موجود في حين التعلق يريد وجود ذلك المحبوب أو وقوعه وإنما قلت أو وقوعه لأنها قد تتعلق بإعدام الموجود وإعدام الموجود في حال كون الموجود موجودا ليس بواقع فإذا عدم الموجود الذي تعلقت به المحبة فقد وقع ولا يقال وجد الإعدام فإنه جهل من قائله وقولنا يريد وجود ذلك المحبوب وأن المحبوب على الحقيقة إنما هو معدوم فذلك أن المحبوب للمحب هو إرادة أوجبت الاتصال بهذا الشخص المعين كائنا من كان إن كان ممن من شأنه أن يعانق فيحب عناقه أو ينكح فيحب نكاحه أو يجالس فيحب مجالسته فما تعلق حبه إلا بمعدوم في الوقت من هذا الشخص فيتخيل إن حبه متعلق بالشخص وليس كذلك وهذا هو الذي يهيجه للقائه ورؤيته فلو كان يحب شخصه أو وجوده في عينه فهو في شخصيته أو في وجوده فلا فائدة لتعلق الحب به فإن قلت أنا كنا تحب مجالسة شخص أو تقبيله أو عناقه أو تأنيسه أو حديثه ثم نرى تحصل ذلك والحب لا يزول مع وجود العناق والوصال فإذا متعلق الحب قد لا يكون معدوما قلنا أنت غالط إذا عانقت الشخص الذي تعلقت المحبة بعناقه أو مجالسته أو مؤانسته فإن متعلق حبك في تلك حال ما هو بالحاصل وإنما هو بدوام الحاصل واستمراره والدوام والاستمرار معدوم ما دخل في الوجود ولا تتناهى مدته فإذا ما تعلق الحب في حال الوصلة إلا بمعدوم وهو دوامها وما أحسن ما جاء في القرآن قوله يحبهم ويحبونه بضمير الغائب والفعل المستقبل فما أضاف متعلق الحب إلا لغائب ومعدوم وكل غائب فهو معدوم إضافي فمن أوصاف المحبة أن يجمع المحب في حبه بين الضدين ليصح كونه على الصورة لما فيه من الاختيار وهذا هو الفرق بين الحب الطبيعي والروحاني والإنسان يجمعهما وحده والبهائم تحب ولا تجمع بين الضدين بخلاف الإنسان وإنما جمع الإنسان في حبه بين الضدين لأنه على صورته وقد وصف نفسه بالضدين وهو قوله هو الأول والآخر والظاهر والباطن وصورة جمع الحب بين الضدين أن الحب من صفاته اللازمة له حب الاتصال بالمحبوب ومن صفاته اللازمة حب ما يحبه المحبوب فيحب المحبوب الهجر فإن أحب المحب الهجر فقد فعل ما لا نقتضيه المحبة فإن المحبة تطلب الاتصال وإن أحب الاتصال فقد فعل ما لا تقتضيه المحبة فإن المحب يحب ما يحب محبوبه ولم يفعل فالمحب محجوج على كل حال وغاية الجمع بينهما أن يحب حب المحبوب للهجر لا الهجر ويحب الاتصال ولا تخرج هذه المسألة على أكثر من هذا كالراضي بالقضاء فيصح له اسم الرضاء بالقضاء مع كونه لا يرضى بالمقضي إذا كان المقضي به كفرا كذا ورد الشرع وهكذا في مسألة الحب يحب المحب الاتصال بالمحبوب ويحب حب المحبوب الهجر لا يحب الهجر لأن الهجر ما هو عين حب المحبوب الهجر كما أن القضاء ما هو عين المقضي فإن القضاء حكم الله بالمقضي لا عين المقضي فيرضى بحكم الله وحب الحيوان ليس كذلك لأنه حب طبيعي لا روحاني فيطلب الاتصال بمن يحب خاصة ولا يعلم أن محبوبه له حب في كذا لا علم له بذلك فلهذا قسمنا الحب الذي هو صفة للإنسان إلى نوعين فيه حب طبيعي وبه يشارك البهائم والحيوانات وحب روحاني وبه ينفصل ويتميز عن حب الحيوان وإذا تقرر هذا وصل فاعلم أن الحب منه إلهي وروحاني وطبيعي وما ثم حب غير هذا فالحب الإلهي هو حب الله لنا وحبنا الله أيضا قد يطلق عليه أنه إلهي والحب الروحاني هو الذي يسعى به في مرضات المحبوب لا يبقى له مع محبوبه غرض ولا إرادة بل هو بحكم ما يراد به خاصة والحب الطبيعي هو الذي يطلب به جميع نيل أغراضه سواء سر ذلك المحبوب أو لم يسره وعلى هذا أكثر حب الناس اليوم فلنقدم أولا الكلام على الحب الإلهي في وصل ثم يتلوه وصل في الحب الروحاني ثم يتلوه وصل ثالث في الحب الطبيعي والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ( الوصل الأول ) في الحب الإلهي وهو أن يحبنا لنا ولنفسه أما حبه إيانا لنفسه فهو قوله أحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني فما خلقنا إلا لنفسه حتى نعرفه وقوله ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) فما خلقنا إلا لنفسه وأما حبه إيانا لنا فلما عرفنا به من الأعمال التي تؤدينا إلى سعادتنا ونجاتنا من الأمور التي لا توافق أغراضنا ولا تلائم طباعنا خلق سبحانه الخلق ليسبحوه فنطقهم بالتسبيح له والثناء عليه والسجود له ثم عرفنا بذلك فقال