ابن عربي
311
الفتوحات المكية
أثبته بنسبة ما فهو من حيث تلك النسبة ثابت ومن هذه النسبة الأخرى منفي وإذا تحققت هذا فإن شئت قلت هو عن عدم وإن شئت قلت هو عن وجود بعد علمك بالأمر على ما هو عليه ولولا قوة الخيال ما ظهر من هذا الذي أظهرناه لكم شئ فإنه أوسع الكائنات وأكمل الموجودات ويقبل الصور الروحانيات وهو التشكل في الصور المختلفة من الاستحالة الكائنة والاستحالة منها ما فيها سرعة كاستحالة الأرواح صورا جسدية والمعاني صورا جسدية تظهر في كون هذا العماء وثم استحالات فيها بطء كاستحالة الماء هواء والهواء نارا والنطفة إنسانا والعناصر نباتا وحيوانا فهذه كلها وإن كانت استحالات فما لها سرعة استحالة الصور في القوة المتخيلة في الإنسان وهو الخيال المتصل ولا في استحالات صور الأرواح في صور الأجسام أجسادا كالملائكة في صور البشر فإن السرعة هنالك أقوى وكذا زوالها أسرع من استحالات الأجسام بعد الموت إلى ما تستحيل إليه ثم إذا فهمت هذا الأصل علمت أن الحق هو الناطق والمحرك والمسكن والموجد والمذهب فتعلم أن جميع الصور بما ينسب إليها مما هو له خيال منصوب وأن حقيقة الوجود له تعالى ألا ترى إلى واضع خيال الستارة ما وضعه إلا ليتحقق الناظر فيه علم ما هو أمر الوجود عليه فيرى صورا متعددة حركاتها وتصرفاتها وأحكامها لعين واحدة ليس لها من ذلك شئ والموجد لها ومحركها ومسكنها بيننا وبينه تلك الستارة المضروبة وهو الحد الفاصل بيننا وبينه به يقع التمييز فيقال فيه إله ويقال فينا عبيد وعالم أي لفظ شئت ثم إن هذا العماء هو عين البرزخ بين المعاني التي لا أعيان لها في الوجود وبين الأجسام النورية والطبيعة كالعلم والحركة هذا في النفوس وهذه في الأجسام فتتجسد في حضرة الخيال كالعلم في صورة اللبن وكذلك تعيين النسب وإن كانت لا عين لها لا في النفس ولا في الجسم كالثبات في الأمر نسبة إلى الثابت فيه يظهر هذا الثبات في صورة القيد المحسوس في حضرة الخيال المتصل وكالأرواح في صور الأجسام المتشكلة الظاهرة بها كجبريل في صورة دحية ومن ظهر من الملائكة في صور الذر يوم بدر هذا في الخيال المنفصل وكالعصا والحبال في صور الحيات تسعى كما قال يخيل إليه يعني إلى موسى من سحرهم أي من علمهم بما فعلوه إنها تسعى فأقاموا ذلك في حضرة الخيال فأدركها موسى مخيلة ولا يعرف أنها مخيلة بل ظن أنها مثل عصاه في الحكم ولهذا خاف فقيل له لا تخف إنك أنت الأعلى فالفرقان بين الخيال المتصل والخيال المنفصل أن المتصل يذهب بذهاب المتخيل والمنفصل حضرة ذاتية قابلة دائما للمعاني والأرواح فتجسدها بخاصيتها لا يكون غير ذلك ومن هذا الخيال المنفصل يكون الخيال المتصل والخيال المتصل على نوعين منه ما يوجد عن تخيل ومنه ما لا يوجد عن تخيل كالنائم ما هو عن تخيل ما يراه من الصور في نومه والذي يوجد عن تخيل ما يمسكه الإنسان في نفسه من مثل ما أحس به أو ما صورته القوة المصورة إنشاء لصورة لم يدركها الحس من حيث مجموعها لكن جميع آحاد المجموع لا بد أن يكون محسوسا فقد يندرج المتخيل الذي هو صورة الملك في صورة البشر وهو من الخيال المنفصل في الخيال المتصل فيرفعه في الخيال المتصل وهو خيال بينهما صورة حسية لولاها ما رفع مثالها الخيال المتصل ومن هذا الباب التجلي الإلهي في صور الاعتقادات وهذا مما يجب الايمان به خرج مسلم في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري وهو حديث طويل وفيه حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر فيأتيهم رب العالمين تبارك وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال فيقول ما ذا تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم قال فيقول أنا ربكم قال فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبين ربكم آية تعرفونه بها فيقولون نعم قال فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم قال فيقولون نعم أنت ربنا الحديث فانظر نظر المنصف في هذا الخبر من تحول الحق سبحانه في الصور وهو سبحانه لا غيره فأنكر في صورة وأقربه في صورة والعين واحدة والصور مختلفة فهذا عين ما أردناه من اختلاف الصور في العماء أعني صور العالم فالصور بما هي صور هي المتخيلات والعماء الظاهرة فيه هو الخيال وفي هذا الحديث شفاء لكل صاحب علة إذا