ابن عربي

281

الفتوحات المكية

لا يكون لأن الكون وجود وهذه التوجهات والكلمات في خزائن الجود لكل شئ يقبل الوجود قال تعالى وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وهو ما ذكرناه وقوله وما ننزله إلا بقدر معلوم من اسمه الحكيم فالحكمة سلطانة هذا الإنزال الإلهي وهو إخراج هذه الأشياء من هذه الخزائن إلى وجود أعيانها وهو قولنا في أول خطبة هذا الكتاب الحمد لله الذي أوجد الأشياء عن عدم وعدمه وعدم العدم وجود فهو نسبة كون الأشياء في هذه الخزائن محفوظة موجودة لله ثابتة لأعيانها غير موجودة لأنفسها فبالنظر إلى أعيانها هي موجودة عن عدم وبالنظر إلى كونها عند الله في هذه الخزائن هي موجودة عن عدم العدم وهو وجود فإن شئت رجحت جانب كونها في الخزائن فنقول أوجد الأشياء من وجودها في الخزائن إلى وجودها في أعيانها للنعيم بها أو غير ذلك وإن شئت قلت أوجد الأشياء عن عدم بعد أن تقف على معنى ما ذكرت لك فقل ما شئت فهو الموجد لها على كل حال في الموطن الذي ظهرت فيه لأعيانها وأما قوله ما عندكم ينفد فهو صحيح في العلم لأن الخطاب هنا لعين الجوهر والذي عنده أعني عند الجوهر من كل موجود إنما هو ما يوجده الله في محله من الصفات والأعراض والأكوان وهي في الزمان الثاني أو في الحال الثاني كيف شئت قل من زمان وجودها أو حال وجودها تنعدم من عندنا وهو قوله ما عندكم ينفد وهو يجدد للجوهر الأمثال أو الأضداد دائما من هذه الخزائن وهذا معنى قول المتكلمين إن العرض لا يبقى زمانين وهو قول صحيح خبر لا شبهة فيه لأنه الأمر المحقق الذي عليه نعت الممكنات وبتجدد ذلك على الجوهر يبقى عينه دائما ما شاء الله وقد شاء إنه لا يفنى فلا بد من بقائه فيعلم التابع من هذه الحضرة التكوينات الجنانية وجميع ما ذكرناه وأما صاحب النظر رفيق التابع فما عنده خبر بشئ من هذا كله لأنه تنبيه نبوي لا نظر فكري وصاحب النظر مقيد تحت سلطان فكره وليس للفكر مجال إلا في ميدانه الخاص به وهو معلوم بين الميادين فإنه لكل قوة في الإنسان ميدان يجول فيه لا يتعداه ومهما تعدت ميدانها وقعت في الغلط والخطاء ووصفت بالتحريف عن طريقها المستقيم وقد يشهد الكشف البصري بما تعثر فيه الحجج العقلية وسبب ذلك خروجها عن طورها فالعقول الموصوفة بالضلال إنما أضلتها أفكارها وإنما ضلت أفكارها لتصرفها في غير موطنها وإنما تصرف ما تصرف منها في غير موطنه وجال في غير ميدانه ليظهر فضل بعض الناس على بعضهم وإنما ظهر الفضل في العالم ليعلم أن الحق له عناية ببعض عباده وله خذلان في بعض عباده وليعلم أن الممكن لم يخرج عن إمكانه وأن المرجح له نظر خصوصي لمن شاء من هذه القوي بما يشاء وهو العليم القدير ثم يخرج بالتابع مع حامله إلى الكرسي فيرى فيه انقسام الكلمة التي وصفت قبل وصولها إلى هذا المقام بالوحدة ويرى القدمين اللتين تدلتا إليه فينكب من ساعته إلى تقبيلهما القدم الواحدة تعطي ثبوت أهل الجنات في جناتهم وهي قدم الصدق والقدم الأخرى تعطي ثبوت أهل جهنم في جهنم على أي حالة أراد وهي قدم الجبروت ولهذا قال في أهل الجنان عطاء غير مجذوذ فما وصفه بالانقطاع وقال في أهل جهنم الذين شقوا ليحكم هذا القدم الجبروتي إن ربك فعال لما يريد ما قال إن الحال التي هم فيها لا تنقطع كما قال في السعداء والذي منع من ذلك قوله ورحمتي وسعت كل شئ وقوله إن رحمتي سبقت غضبي في هذه النشأة فإن الوجود رحمة في حق كل موجود وإن تعذب بعضهم ببعض فتخليدهم في حال النعيم غير منقطع وتخليدهم في حال الانتقام موقوف على إرادة فقد يعود الانتقام منهم عذابا عليهم لا غير ويزول الانتقام ولهذا فسره في مواضع بالألم المؤلم وقال عذاب أليم والعذاب الأليم وفي مواضع لم يقيد العذاب بالأليم وأطلقه فقال لا يخفف عنهم العذاب يعني وإن زال الألم وقال في عذاب جهنم ولم ينعته بأنه أليم وقال لا يفتر عنهم من كونه عذابا وهم فيه أي في العذاب مبلسون أي مبعدون من السعادة العرضية في هذا الموطن لأن الإبلاس لفظة مختصة بأهل جهنم في بعدهم فلهذا جاء بذكر الإبلاس ليوقع هذا الاصطلاح اللغوي في موضعه عند أهله ليعلموه فإنه لموطن جهنم لغة ليست لأهل الجنان والإبلاس منها فيعرف التابع من هذا المقام ما لكل دار ثم إنه يفارق هذا الموضع ويزج به في النور الأعظم فيغلبه الوجد وهذا النور هو حضرة الأحوال الظاهر حكمها في الأشخاص الإنسانية وأكثر ما يظهر عليهم في سماع الألحان فإنها إذا نزلت عليهم تمر على الأفلاك ولحركات الأفلاك