ابن عربي

279

الفتوحات المكية

من شغله وأحكم صنعته فيما ذهب إليه جاء الملك فوقف على ما صوره صاحب الصور فرأى صورا بديعة يبهر العقول حسن نظمها وبديع نقشها ونظر إلى تلك الأصبغة في حسن تلك الصنعة فرأى أمرا هاله منظره ونظر إلى ما صنع الآخر من صقالة ذلك الوجه فلم ير شيئا فقال له أيها الملك صنعتي ألطف من صنعته وحكمتي أغمض من حكمته ارفع الستر بيني وبينه حتى ترى في الحالة الواحدة صنعتي وصنعته فرفع الستر فانتقش في ذلك الجسم الصقيل جميع ما صوره هذا الآخر بألطف صورة مما هو ذلك في نفسه فتعجب الملك ثم إن الملك رأى صورة نفسه وصورة الصاقل في ذلك الجسم فحار وتعجب وقال كيف يكون هكذا فقال أيها الملك ضربته لك مثلا لنفسك مع صور العالم إذا أنت صقلت مرآة نفسك بالرياضات والمجاهدات حتى تزكو وأزلت عنها صدأ الطبيعة وقابلت بمرآة ذاتك صور العالم انتقش فيها جميع ما في العالم كله وإلى هذا الحد ينتهي صاحب النظر وأتباع الرسل وهذه الحضرة الجامعة لهما ويزيد التابع على صاحب النظر بأمور لم تنتقش في العالم جملة واحدة من حيث ذلك الوجه الخاص الذي لله في كل ممكن محدث مما لا ينحصر ولا ينضبط ولا يتصور يمتاز به هذا التابع عن صاحب النظر ومن هذه السماء يكون الاستدراج الذي لا يعلم والمكر الخفي الذي لا يشعر به والكيد المتين والحجاب والثبات في الأمور والتأني فيها ومن هنا يعرف معنى قوله لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس لأن لهما في الناس درجة الأبوة فلا يلحقهما أبدا قال تعالى أن أشكر لي ولوالديك ومن هذه السماء يعلم أن كل ما سوى الإنس والجان سعيد لا دخول له في الشقاء الأخروي وإن الإنس والجان منهم شقي وسعيد فالشقي يجري إلى أجل في الأشقياء لأن الرحمة سبقت الغضب والسعيد إلى غير أجل ومن هنا يعرف تفضيل خلق الإنسان وتوجه اليدين على خلق آدم دون غيره من المخلوقات ويعلم أنه ما ثم جنس من المخلوقات إلا وله طريقة واحدة في الخلق لم تتنوع عليه صنوف الخلق تنوعها على الإنسان فإنه تنوع عليه الخلق فخلق آدم يخالف خلق حواء وخلق حواء يخالف خلق عيسى وخلق عيسى يخالف خلق سائر بني آدم وكلهم إنسان ومن هنا زين للإنسان سوء عمله فرآه حسنا وعند تجلى هذا التزيين يشكر الله تعالى التابع على تخلصه من مثل هذا وأما صاحب النظر فلا يجد فرجا إلا في هذا التجلي يعطيه الحسن في السوء وهو من المكر الإلهي ومن هنا تثبت أعيان الصور في الجوهر التي تحت هذا الفلك إلى الأرض خاصة ومن هنا تعرف ملة إبراهيم أنها ملة سمحاء ما فيها من حرج فإذا علم هذه المعاني ووقف على أبوة الإسلام أراد صاحب النظر القرب منه فقال إبراهيم للتابع من هذا الأجنبي معك فقال هو أخي قال أخوك من الرضاعة أو أخوك من النسب قال أخي من الماء قال صدقت لهذا لا أعرفه لا تصاحب إلا من هو أخوك من الرضاعة كما أني أبوك من الرضاعة فإن الحضرة السعادية لا تقبل إلا إخوان الرضاعة وآباءها وأمهاتها فإنها النافعة عند الله ألا ترى العلم يظهر في صورة اللبن في حضرة الخيال هذا لأجل الرضاع وانقطع ظهر صاحب النظر لما انقطع عنه نسب أبوه إبراهيم ع ثم أمره أن يدخل البيت المعمور فدخله دون صاحبه وصاحبه منكوس الرأس ثم خرج من الباب الذي دخل ولم يخرج من باب الملائكة وهو الباب الثاني لخاصية فيه وهو أنه من خرج منه لا يرجع إليه ثم ارتحل من عنده يطلب العروج ومسك صاحبه صاحب النظر هناك وقيل له قف حتى يرجع صاحبك فإنه لا قدم لك هنا هذا آخر الدخان فقال أسلم وأدخل تحت حكم ما دخل فيه صاحبي قيل له ليس هذا موضع قبول الإسلام إذا رجعت إلى موطنك الذي منه جئت أنت وصاحبك فهناك إذا أسلمت وآمنت واتبعت سبيل من أناب إلى الله إنابة الرسل المبلغين عن الله قبلت كما قبل صاحبك فبقي هنالك ومشى التابع فبلغ به سدرة المنتهى فرأى صور أعمال السعداء من النبيين وأتباع الرسل ورأى عمله في جملة أعمالهم فشكر الله على ما وفقه إليه من اتباع الرسول المعلم وعاين هنالك أربعة أنهار منها نهر كبير عظيم وجداول صغار تنبعث من ذلك النهر الكبير وذلك النهر الكبير تتفجر منه الأنهار الكبار الثلاثة فسأل التابع عن تلك الأنهار والجداول فقيل له هذا مثل مضروب أقيم لك هذا النهر الأعظم هو القرآن وهذه الثلاثة الأنهار الكتب الثلاثة التوراة والزبور والإنجيل وهذه الجداول الصحف المنزلة على الأنبياء فمن شرب من أي نهر كان أو أي جدول فهو لمن شرب منه وارث وكل حق فإنه كلام الله والعلماء ورثة الأنبياء بما شربوا من هذه