ابن عربي

271

الفتوحات المكية

حيث جوهريتهما إلا أن ذلك الأصل في الإلهيات نفس وفي الطبيعة بخار إلا أن الأبوين أمر وطبيعة وإنما قلنا إن ذلك الأمر كان مطلوبا للأبوين من حيث جوهرهما لا من حيث صورتهما لأن الحكم في الجوهر الهيولائي إنما هو للصور فلما حالت العلة التي طرأت عليه في معدنه فصيرته كبريتا وزيبقا علمنا أيضا أن في قوتهما إذا لم يطرأ عليهما علة تخرجهما عن سلطان حكم اعتدال الطبائع وتعدل بهما عن طريقه إن الولد الخارج بينهما الذي يستحيل أعيانهما إليه أنهما يلحقان بدرجة الكمال وهو الذهب الذي كان مطلوبا لهما ابتداء فإذا التحما وتناكحا في المعدن بحكم طبيعة ذلك المعدن الخاص وحكم قبوله لأثر طبيعة الزمان فيه وهو على صراط مستقيم مثل الفطرة التي فطر الله الناس عليها وأبواه هما اللذان يهودان الولد أو ينصرانه أو يمجسانه كذلك إذا كثرت فيه كمية الأب الواحد لعرض معدني من عرض زماني غلب بذلك إحدى الطبائع على أخواتها فزاد وأربى ونقص الباقي عن مقاومة الغالب حكم على الجوهر فرده لما تعطيه حقيقة ذلك الطبع وعدل به عن طريق الاعتدال التي هي المحجة التي تخرج بك إلى المدينة الفاضلة الذهبية الكاملة التي من حصل فيها لم يقبل الاستحالة إلى الأنقص عنها فإذا غلب عليه ذلك الطبع قلب عينه فظهرت صورة الحديد أو النحاس أو القزدير أو الآنك أو الفضة بحسب ما يحكم عليه ومن هنا تعرف قوله تعالى في الاعتبار مخلقة وغير مخلقة أي تامة الخلقة وليس إلا الذهب وغير تامة الخلقة وهي بقية المعادن فتتولاه في ذلك الوقت روحانية كوكب من الكواكب السيارة السبعة وهو ملك من ملائكة تلك السماء يجري مع ذلك الكوكب المسخر في سباحته لأن الله هو الذي وجهه إلى غاية يقصدها عن أمر خالقه إبقاء لعين ذلك الجوهر فيتولى صورة الحديد ذلك الملك الذي جواده هذا الكوكب السابح من السماء السابعة من هنا وصورة القزدير وغيره وكذلك كل صورة معدنية يتولاها ملك يكون جواده هذا الكوكب السابح في سمائه وفلكه الخاص به الذي وجهه فيه ربه تعالى فإذا جاء العارف بالتدبير نظر في الأمر الأهون عليه فإن كان الأهون عليه إزالة العلة من الجسد حتى يرده إلى المجرى الطبيعي المعتدل الذي انحرف عنه فهو أولى فإن الكوكب السابح يراه صاحب الرصد وقتا في المنزلة عينها ووقتا عادلا عنها منحرفا فوقها أو تحتها فيعمد العارف بالتدبير إلى السبب الذي رده حديدا أو ما كان ويعلم أنه ما غلب الجماعة إلا بما فيه من الكمية فنقص من الزائد وزاد في الناقص وهذا هو الطب والعامل به العالم هو الطبيب فيزيل عنه بهذا الفعل صورة الحديد مثلا أو ما كان عليه من الصور فإذا رده إلى الطريق أخذ يحفظ عليه تقويم الصحة وإقامته فيها فإنه قد يعافي من مرضه وهو ناقة فيخاف عليه فهو يعامله بتلطيف الأغذية ويحفظه من الأهوية ويسلك به على الصراط القويم إلى أن يكسو ذلك الجوهر صورة الذهب فإذا حصلت له خرج عن حكم الطبيب وعن علته فإنه بعد ذلك الكمال لا ينزل إلى درجة النقصان ولا يقبله ولو رامها الطبيب لم يتمكن له ذلك فإن القاضي ما عنده نص في هذه المسألة حتى يحكم فيها بما يراه وسبب ذلك على الحقيقة أن القاضي عادل ولا يحكم إلا على من خرج عن طريق الحق وهذا الذهب عليه فلا يقضى عليه بشئ لأنه لم يتوجه للخصم عليه حق فهذا سببه فمن لزم طريق الحق ارتفع عن درجة الحكم عليه وصارحا كما على الأشياء فهذه طريقة إزالة العلل وما رأيت عليها أحدا يعرف ذلك ولا نبه عليه ولا أشار ولا تجده إلا في هذا الباب أو في كلامنا وأما إذا أراد صاحب هذه الصنعة انشاء العين المسمى إكسيرا ليحمله على ما يشاء من الأجساد المعدنية فيقلبها لما تحكم به طبيعة ذلك الجسد القابل والدواء واحد الذي هو الإكسير فمن الأجساد من يرده الإكسير إلى حكمه فيكون إكسيرا يعمل عمله وهو المسمى بالنائب فيقوم في باقي الأجساد المعدنية ويحكم بحكمه مثل أن يأخذ وزن درهم أو أي وزن شاء من عين الإكسير فيلقيه على ألف وزن من أي جسد شئت من الأجساد فإن كان قزديرا أو حديدا أعطاه صورة الفضة وإن كان نحاسا أو رصاصا أسود أو فضة أعطاه صورة الذهب وإن كان الجسد زيبقا أعطاه قوته وتركه نائبا عنه يحكم في الأجساد حكمه ولكن بوزن يخالف وزن باقي الأجساد وذلك وزن درهم من الإكسير فيلقيه على رطل الحكمة خاصة من الزيبق فيرده إكسيرا كله فيلقي من ذلك النائب وزنا على وزن ألف وزن من بقية الأجساد مثل الإكسير فيجري في الحكم مجراه فهذه صورة الإنشاء والأولى صنعة إزالة المرض وإنما جئنا بهذا لنعلمك بارتباط الحكمة في مسمى الكيمياء