ابن عربي

211

الفتوحات المكية

غير جبريل لا والله إلا جبريل فما رآهما إلا في الدنيا في دارها وحياتها وقال متمدحا ولله ملك السماوات والأرض وهما للدار الدنيا وقد قررنا أنه كل ما في الآخرة هو في الدنيا فمنه ما عرفناه ومنه ما لم نعرفه بل في الدنيا من الزيادة ما ليست في الآخرة فالدنيا أكمل في النشأة ولولا التكليف وعدم حصول كل الأغراض لم تزنها الآخرة فإن قلت فما الزيادة التي تزيد بها الدنيا على الآخرة قلنا الآخرة دار تمييز والدار الدنيا دار تمييز واختلاط فأهل النار مميزون وأهل الجنة مميزون فأهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار يعرفون كلا بسيماهم والدار الدنيا فيها ما في الآخرة من التمييز لكن لا يعم فإنه قد علمنا في الدنيا بإعلام الله أن الرسل والأنبياء ومن عينته الرسل بالبشرى أنه سعيد يقول الله لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة فهذا عموم الدنيا فما ينقلب أحد من أهل السعادة إلى الآخرة حتى يبشر في الدنيا ولو نفس واحد فيحصل المقصود ومن عينته الرسل بالبشرى أنه شقي فقد تميز بالشقاء يقول سبحانه فبشرهم بعذاب أليم وسكت عن أكثر الناس فلم يعين منهم أحدا وظهرت صفات الأشقياء في الآخرة في هذه الدار على السعداء من الحزن والبلاء والبكاء والذلة والخشوع وظهرت صفات السعداء في الآخرة في هذه الدار من الخير والنعمة والتفكه والوصول إلى نيل الأغراض ونفوذ الأوامر على الأشقياء من أهل النار إذ هذه النشأة تعطي أن يكون لها حظ ونصيب من هذه الصفات فمنهم من تجمع له في الدار الواحدة ومنهم من تكون له في الدارين فيظهر المؤمن بصفة الكافر حتى يختم له بالإيمان ويظهر الكافر بصفة المؤمن حتى يختم له بالكفر ثم إن الله قد شرك السعيد والشقي في إطلاق الايمان والكفر وهذان اللفظان معلومان فأكثر الناس ما يطلق الايمان إلا على المؤمن بالله ولا الكافر إلا على الكافر بالله والله يقول والذين آمنوا بالباطل فسماهم مؤمنين وكفروا بالله فقد أعطت الدنيا ما أعطت الآخرة وهذه الزيادة التي لا تكون في الآخرة والتشريع لا يكون في الآخرة إلا في موطن واحد حين يدعون إلى السجود ليرجح بتلك السجدة ميزان أصحاب الأعراف والناس لا يشعرون ولما أوردناه يقول بعض أهل الله ولا أزكي على الله أحدا إن وجود الحق في الدنيا في الإنسان أكمل منه في الآخرة وقد رأينا من ذهب إلى هذا وشافهنا به في مجالس وجعل دليله الخلافة فالإنسان في الدنيا أكمل في الصفات الأسمائية منه في الآخرة بلا شك لأنه يظهر بالإنعام والانتقام ولا يكون له ذلك في الآخرة فإنه لا إنعام له على أحد ولا انتقام وإن شفع فبإذن فالأنعام لمن أذن وأما في الجنة والنار بعد ذبح الموت فلا بل في القيامة يكون من ذلك طرف انتقام لحكمة ذكرناها في هذا الكتاب مثل قوله ع فسحقا سحقا فراقبوا الله هنا عباد الله مراقبة الدنيا أبناءها فهي الأم الرقوب وكونوا على أخلاق أمكم تسعدوا ( الباب السابع والعشرون ومائة في ترك المراقبة ) لا تراقب فليس في الكون إلا * واحد العين وهو عين الوجود فتسمى في حالة بمليك * وتكني في حالة بالعبيد ودليلي ما جاء من افتقار * الفقراء إلى الغني الحميد هكذا جاء في التلاوة نصا * في قريب من سعده وبعيد ثم جاءوا بأقرضوا الله قرضا * فبدى النقص وهو عين المزيد لما كانت المراقبة تنزلا مثاليا للتقريب واقتضت مرتبة العلماء بالله أنه ليس كمثله شئ فارتفعت الأشكال والأمثال ولم يتقيد أمر إلا له ولا انضبط وجهل الأمر وتبين أنه لم يكن معلوما في وقت الاعتقاد بأنه كان معلوما لنا ولم يحصل في العلم به أمر ثبوتي بل سلب محقق ونسبة معقولة أعطتها الآثار الموجودة في الأعيان فلا كيف ولا أين ولا متى ولا وضع ولا إضافة ولا عرض ولا جوهر ولا كم وهو المقدار وما بقي من العشرة إلا انفعال محقق وفاعل معين أو فعل ظاهر من فاعل مجهول يرى أثره ولا يعرف خبره ولا يعلم عينه ولا يجهل كونه فلمن نراقب وما ثم من يقع عليه عين ولا من يضبطه خيال ولا من يحدده زمان ولا من تعدده صفات وأحكام ولا من تكسيفه أحوال ولا من تميزه أوضاع ولا من تظهره إضافة فكيف نراقب من لا يقبل الصفات والعلم يرفع الخيال فهو الرقيب لا المراقب وهو الحفيظ لا المحفوظ فالذي يحفظه الإنسان إنما