ابن عربي

151

الفتوحات المكية

ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه فلو رآها أولا في نفسه ثم رآها في العالم ربما تخيل أن نفسه رأى في العالم فرفع الله عنه هذا الإشكال بأن قدم له رؤية الآيات في العالم كالذي وقع في الوجود فإنه أقدم من الإنسان وكيف لا يكون أقدم وهو أبوه فأبانت له رؤية تلك الآيات التي في الآفاق وفي نفسه أنه الحق لا غيره وتبين له ذلك فالآيات هي الدلالات له على أنه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة فإنه ما ثم جملة واحدة ولهذا تمم تعالى في التعريف فقال أولم يكف بربك أنه على كل شئ من أعيان العالم شهيد على التجلي فيه والظهور وليس في قوة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ولا أن لا يكون مظهرا وهو المعبر عنه بالإمكان فلو لم يكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور وهو ظهور الحق فيه الذي تبين له بالآيات ثم تمم وقال إنه بكل شئ من العالم محيط والإحاطة بالشئ تستر ذلك الشئ فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشئ فإن الإحاطة به تمنع من ظهوره فصار ذلك الشئ وهو العالم في المحيط كالروح للجسم والمحيط كالجسم للروح الواحد شهادة وهو المحيط الظاهر والآخر غيب وهو المستور بهذه الإحاطة وهو عين العالم ولما كان الحكم للموصوف بالغيب في الظاهر الذي هو الشهادة وكانت أعيان شيئيات العالم على استعدادات في أنفسها حكمت على الظاهر فيها بما تعطيه حقائقها فظهرت صورها في المحيط وهو الحق فقيل عرش وكرسي وأفلاك وأملاك وعناصر ومولدات وأحوال تعرض وما ثم إلا الله فالحق من كونه محيطا كبيت الخلوة لصاحب الخلوة فيطلب صاحب الخلوة فلا يوجد فإن البيت يحجبه فلا يعرف منه إلا مكانه ومكانه يدل على مكانته فقد أعطيتك مرتبة الخلوة التي نريد في هذا الكتاب لا الخلوة المعهودة عند أصحاب الخلوات ودرجاتها ألف وسبع وستون درجة فظهر في الدرجات صورة الوترية وإذا لم يعمر الخلأ إلا العالم فهو في خلوة بنفسه هذا أصله ثم إنه لما انصبغ بالنور كان في خلوة بربه وبقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوما ولا بغير ذلك فالعارف إذا عرف ما ذكرناه عرف أنه في خلوة بربه لا بنفسه ومع ربه لا مع نفسه فيرى من حيث أثره في المحيط به بالصور التي ظهر بها المحيط نفسه بنفسه ومن حيث تعدد أعيانه رأى منه به وكانت كل عين مغايرة لصاحبتها ولذلك اختلفت صور العالم وإن كان واحدا كما اختلفت صورة الإنسان في نفسه وإن كان الإنسان واحدا فيده ما هي رجله ورأسه ما هو صدره وعينه ما هو أذنه ولا لسانه ولا فرجه وعقله ما هو فكره ولا خياله فهو متنوع متعدد العين بالصور المحسوسة والمعنوية ومع هذا يقال فيه إنه واحد ويصدق ويقال فيه كثير ويصدق فمن حيث أحديته نقول رأى نفسه بنفسه ومن حيث كثرته نقول رأى بعضه ببعضه فتكلم بلسانه وبطش بيده وسعى برجله واستنشق بأنفه وسمع بإذنه ونظر بعينه وتخيل بخياله وعقل بعقله فهذا كثير وما ثم إلا هو فمن حصل له هذا العلم كما قررناه كان صاحب خلوة ومن حرمه فليس بصاحب خلوة فقد تبين لك أن الحق بالعالم والعالم بالحق فهويته عين المجموع كما إن المجموع هو الإنسان بغيبه وشهادته ونطقه وحيوانيته فهو واحد في الكثرة وكثير في الأحدية فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا وآخرة إلى الأبد من حصلت له لا تزول فإنه لا أثر بعد عين وأما الخلوة المعروفة المعهودة فليست مقاما ولا تصح إلا لمحجوب وأما أهل الكشف فلا تصح لهم خلوة أبدا فإنهم يشاهدون الأرواح العلوية والأرواح النارية ويرون الكائنات ناطقة أكوان ذاته وأكوان بيت خلوته فهو في ملأ كما هو في نفس الأمر فإذا أخذ الله عن بصره هذه المدركات وفصل بين الحيوان والجماد والملائكة وعالم الصمت من عالم الكلام وعالم السكون من عالم الحركات ويحب أن يخلو بربه حتى لا يشغله عنه نطق كون ولا حركة كون فمنهم من يطلب الخلوة لمزيد علم بالله من الله لا من نظره وفكره وهذا أتم المقاصد فإنه مأمور بذلك والعمل على الأمر الإلهي هو غاية كمال العمل والله يقول له قل رب زدني علما فمن تحدث في خلوته في نفسه مع كون من الأكوان فما هو في خلوة قال بعضهم لصاحب خلوة اذكرني عند ربك في خلوتك فقال له إذا ذكرتك فلست معه في خلوة ومن هنا تعرف قوله تعالى أنا جليس من ذكرني فإنه لا يذكره حتى يحضر المذكور في نفسه إن كان المذكور ذا صورة في اعتقاده أحضره في خياله وإن كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوة الذاكرة فإن القوة الذاكرة من الإنسان تضبط المعاني والقوة المتخيلة تضبط المثل التي أعطتها الحواس أو ما تركبه