الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
130
الأخبار الدخيلة
المالكيّ ، في علم القراءة لأنّه كان عالما فاضلا عارفا بالقراءات السبع وكان له في أغلب العلوم من الصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان والأصولين ، وكان ليّن الطبع لم يكن عنده معاندة في البحث ولا في المذهب لحسن ذاته . فكان إذا جرى ذكر الشيعة يقول : « قال علماء الإماميّة » بخلاف غيره من المدرّسين فإنّهم كانوا يقولون عند ذكر الشيعة « قال علماء الرّافضة » فاختصصت به وتركت التردّد إلى غيره فأقمنا على ذلك برهة من الزّمان أقرء عليه في العلوم المذكورة ، فاتّفق أنّه عزم على السفر من دمشق الشام إلى الدّيار المصريّة فلكثرة المحبّة الّتي كانت بيننا عزّ عليّ مفارقته وهو أيضا كذلك ، فآل الأمر إلى أنّه صمّم العزم على صحبتي له إلى مصر ، وكان عنده جماعة من الغرباء مثلي يقرؤون عليه ، فصحبه أكثرهم فسرنا في صحبته إلى أن وصلنا مدينة بلاد مصر المعروفة بالفاخرة [ بالقاهرة ظ ] وهي أكبر من مدائن مصر كلّها فأقام بالمسجد الأزهر مدّة يدرّس فتسامع فضلاء مصر بقدومه فوردوا كلّهم لزيارته وللانتفاع بعلومه ، فأقام في قاهرة مصر مدّة تسعة أشهر ، ونحن معه على أحسن حال وإذا بقافلة قد وردت من الأندلس ومع رجل منها كتاب من والد شيخنا الفاضل المذكور يعرّفه فيه بمرض شديد قد عرض له وأنّه يتمنّى الاجتماع به قبل الممات ويحثّه فيه على عدم التأخير ، فرقّ الشيخ من كتاب أبيه وبكى وصمّم العزم على المسير إلى جزيرة الأندلس فعزم بعض التلامذة على صحبته ومن الجملة أنا ، لأنّه - هداه اللّه - قد كان أحبّني محبّة شديدة وحسّن لي المسير معه ، فسافرت إلى الأندلس في صحبته فحيث وصلنا إلى أوّل قرية من الجزيرة المذكورة عرضت لي حمّى منعتني عن الحركة فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رقّ لي وبكى وقال : يعزّ عليّ مفارقتك فأعطى خطيب تلك القرية الّتي وصلنا إليها عشرة دراهم وأمره أن يتعاهدني حتّى يكون منّي أحد الأمرين وإن منّ اللّه عليّ بالعافية أتبعه إلى بلده ، ثمّ مضى إلى بلد الأندلس ومسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيّام . فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيّام لا أستطيع الحركة لشدّة ما أصابني من الحمّى ، ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمّى وخرجت أدور في سكك تلك القرية فرأيت قفلا قد وصل من جبال قريبة من شاطىء