ابن عربي
581
الفتوحات المكية
ثوبيه صدقة عليه فانتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال خذ ثوبك ولم يقبل صدقته فإذا علم من نفسه أنه لا يسأل ولا يتعرض فحينئذ له أن يخرج عن ماله كله ولكن بميزان الأفضلية إن كان عالما إذا لم يكن له كشف فإن كان صاحب كشف عمل بحسب كشفه ولقد خرج أبو داود ما يناسب ما ذكرناه من حديث عمر بن الخطاب قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي وقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قلت مثله قال وأتى أبو بكر بكل ما عنده فقال ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله ورسوله قلت لا أسابقك إلى شئ أبدا فينبغي للعالم بنفسه أن يعامل نفسه بما يعامله به الشرع الحاكم عليه ولا ينظر المريد لما يخطر له في الوقت فيكون تحت حكم خاطره فيكون خطأه أكثر من إصابته وهنا يتميز العاقل العالم من الجاهل ولكن هذا كله لمن لا كشف له من أهل الله وقد سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر لما أتاه بماله كله لمعرفته بحاله ومقامه وما قال له هلا أمسكت لا هلك شيئا من مالك وأثنى على عمر بذلك بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكره عليه وقال لكعب بن مالك في هذا الحديث أمسك بعض مالك وكان كعب بن مالك قد انخلع من ماله كله صدقة لخاطر خطر له فلم يعامله رسول الله صلى الله عليه وسلم بخاطره وعامله بما يقتضيه حاله فقال أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ( وصل في فصل ما ينظره العارف في فضل الله وعدله ومكر الله تعالى ) إن من مكر الله وعدله وفضله أن يبين للناس ما فيه مصلحتهم هذا من فضله وأما عدله ومكره هو أن يعاملهم بصفاتهم فالعارفون في مثل هذا المقام ينظرون في أحوال أنفسهم وفيما يؤتيهم الله في بواطنهم وظواهرهم ويزنون ذلك بالميزان الذي وضعه الرحمن ليقيم الوزن بالقسط ولا يخسر الميزان فإن اعتدلت الكفتان فذلك العلم الصحيح وإن ترجحت كفة العطاء على كفة الحال فلينظر في الحال فإن كان مما يحمده الشرع فذلك إما جزاء معجل وإما زيادة فضل وإن كان الحال مما يذمه لسان الشرع فذلك مكر من الله وإن كان الحال مما لا يذم ولا يحمد فذلك عدل من الله يؤول إما إلى فضل إن شكر الله وعمل بطاعته في المستأنف بتلك الأعطية أو يؤول إلى مكر خفي إن عمل فيه بمعصية الله فإن ألهم الاستغفار والتوبة أو أن ذلك مكر إلهي فلا يخلو إما أن يتدارك الأمر أو يبقى على حاله فإن بقي على حاله فهو مكر في مكر وإن تدارك الأمر فذلك من فضل الله وزال عنه حكم المكر في هذه الحال فمن مكر الله وفضله اليد العلياء خير من اليد السفلي فإن الصدقة تقع بيد الرحمن ففيه مكر وفضل فإنه قد ورد أنها تقع بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل وقد ذكر البخاري عن حكيم بن حزام فيما نبهنا عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اليد العلياء خير من اليد السفلي وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله فهذا الحديث يتضمن تفصيل ما ذكرناه من الأحوال وأعلى الغني الغني بالله والاستعفاف هنا القناعة بالقليل فإن العفو يرد في اللسان ويراد به القليل وهو من الأضداد والصدقة عن ظهر غنى هي الصدقة والدعاء عن ظهر فقر هو الدعاء المجاب بلا شك وأين الداعي عن ظهر فقر والمعطي عن ظهر غنى ( وصل في فصل حاجة النفس إلى العلم ) اعلم أن حاجة النفس إلى العلم أعظم من حاجة المزاج إلى القوت الذي يصلحه والعلم علمان علم يحتاج منه مثل ما يحتاج من القوت فينبغي الاقتصاد فيه والاقتصار على قدر الحاجة وهو علم الأحكام الشرعية لا ينظر منها إلا قدر ما تمس الحاجة إليه في الوقت فإن تعلق حكمها إنما هو بالأفعال الواقعة في الدنيا فلا تأخذ منه إلا قدر عملك والعلم الآخر هو ما لا حد له يوقف عنده وهو العلم المتعلق بالله ومواطن القيامة فإن العلم بمواطن القيامة يؤدي العالم بها إلى الاستعداد لكل موطن بما يليق به لأن الحق بنفسه هو المطالب في ذلك اليوم بارتفاع الحجب وهو يوم الفصل فينبغي للإنسان العاقل أن يكون على بصيرة من أمره معدا للجواب عن نفسه وعن غيره في المواطن التي يعلم أنه يطلب منه الجواب فيها ولهذا ألحقناه بالعلم بالله وينبغي لطالب العلم أن لا يسأل في المسؤول إلا الله لا عين المسؤول هكذا ينبغي