ابن عربي
551
الفتوحات المكية
خلق الله بأي سبب ظهرت من أشكال وغيرها إلا ولتلك العين الحادثة في الحس روح تصحب تلك الصورة والشكل الذي ظهر فإن الله هو الموجد على الحقيقة لتلك الصورة بنيابة كون من أكوانه من ملك أو جن أو إنس أو حيوان أو نبات أو جماد وهذه هي الأسباب كلها لوجود تلك الصورة في الحس فلما علمنا أن الله قد ربط بكل صورة حسية روحا معنويا بتوجه إلهي عن حكم اسم رباني لهذا اعتبرنا خطاب الشارع في الباطن على حكم ما هو في الظاهر قد ما بقدم لأن الظاهر منه هو صورته الحسية والروح الإلهي المعنوي في تلك الصورة هو الذي نسميه الاعتبار في الباطن من عبرت الوادي إذا جزته وهو قوله تعالى إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وقال فاعتبروا يا أولي الأبصار أي جوزوا مما رأيتموه من الصور بأبصاركم إلى ما تعطيه تلك الصور من المعاني والأرواح في بواطنكم فتدركونها ببصائركم وأمر وحث على الاعتبار وهذا باب أغفله العلماء ولا سيما أهل الجود على الظاهر فليس عندهم من الاعتبار إلا التعجب فلا فرق بين عقولهم وعقول الصبيان والصغار فهؤلاء ما عبروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم الله والله يرزقنا الإصابة في النطق والإخبار عما أشهدناه وعلمناه من الحق علم كشف وشهود وذوق فإن العبارة عن ذلك فتح من الله تأتي بحكم المطابقة وكم من شخص لا يقدر أن يعبر عما في نفسه وكم من شخص تفسد عبارته صحة ما في نفسه والله الموفق لا رب غيره واعلم أنه لما كان معنى الزكاة التطهير كما قال تعالى تطهرهم وتزكيهم بها كان لها من الأسماء الإلهية الاسم القدوس وهو الطاهر وما في معناه من الأسماء الإلهية ولما لم يكن المال الذي يخرج في الصدقة من جملة مال المخاطب بالزكاة وكان بيده أمانة لأصحابه لم يستحقه غير صاحبه وإن كان عند هذا الآخر ولكنه هو عنده بطريق الأمانة إلى أن يؤديه إلى أهله كذلك في زكاة النفوس فإن النفوس لها صفات تستحقها وهي كل صفة يستحقها الممكن وقد يوصف الإنسان بصفات لا يستحقها الممكن من حيث ما هو ممكن ولكن يستحق تلك الصفات الله إذا وصف بها ليميزها عن صفاته التي يستحقها كما إن الحق سبحانه وصف نفسه بما هو حق للممكن تنزلا منه سبحانه ورحمة بعباده فزكاة نفسك إخراج حق الله منها فهو تطهيرها بذلك الإخراج من الصفات التي ليست بحق لها فتأخذ مالك منه وتعطي ماله منك وإن كان كما قال تعالى بل لله الأمر جميعا وهو الصحيح فإن نسبتنا منه نسبة الصفات عند الأشاعرة منه فكل ما سوى الله فهو لله بالله إذ لا يستحق أن يكون له إلا ما هو منه قال صلى الله عليه وسلم مولى القوم منهم وهي إشارة بديعة فإنها كلمة تقتضي غاية الوصلة حتى لا يقال إلا أنه هو وتقتضي غاية البعد حتى لا يقال إنه هو إذ ما هو منك فلا يضاف إليك فإن الشئ لا يضاف إلى نفسه لعدم المغايرة فهذا غاية الوصلة وما يضاف إليك ما هو منك فهذا غاية البعد لأنه قد أوقع المغايرة بينك وبينه فهذه الإضافة في هذه المسألة كيد الإنسان من الإنسان وكحياة الإنسان من الإنسان فإنه من ذات الإنسان كونه حيوانا وتضاف الحيوانية إليه مع كونها من عين ذاته ومما لا تصح ذاته إلا بها فتمثل هذه الإصابة تعقل ما أومأنا إليه من نسبة الممكنات إلى الواجب الوجود لنفسه فإن الإمكان للممكن واجب لنفسه فلا يزال انسحاب هذه الحقيقة عليه لأنها عينه وهي تضاف إليه وقد يضاف إليه ما هو عينه فهذا معنى قوله لله الأمر جميعا أي ما توصف أنت به ويوصف الحق به هو لله كله فما لك لا تفهم ما لك بما في قوله أعطني ما لك فهو نفي من باب الإشارة واسم من باب الدلالة أي الذي لك وأصليته من اسم المالية ولهذا قال خذ من أموالهم أي المال الذي في أموالهم مما ليس لهم بل هو صدقة مني على من ذكرتهم في كتابي يقول الله ألا تراه قد قال إن الله فرض علينا زكاة أو صدقة في أموالنا فجعل أموالهم ظرفا للصدقة والظرف ما هو عين المظروف فمال الصدقة ما هو عين مالك بل مالك ظرف له فما طلب الحق منك ما هو لك فالزكاة في النفوس آكد منها في الأموال ولهذا قدمها الله في الشراء فقال إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ثم قال وأموالهم فالعبد ينفق في سبيل الله نفسه وماله وسيرد من ذلك في هذا الباب ما نقف عليه إن شاء الله ( وصل في وجوب الزكاة ) الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع فلا خلاف في ذلك أجمع كل ما سوى الله على إن وجود ما سوى الله إنما هو بالله فردوا وجودهم إليه سبحانه لهذا الإجماع ولا خلاف في ذلك بين كل ما سوى الله فهذا اعتبار الإجماع في زكاة الوجود فرددنا ما هو لله إلى الله فلا موجود ولا موجود إلا الله