ابن عربي
481
الفتوحات المكية
الخفية بأوصاف البشرية من الفرح بهم والضحك لهم والتبشش لقدومهم عليه يريدون مناجاته في بيته يا عبدي يا عبدي إن شردت عني دعوتك إلي بالحال وهو عبارة عن دخول وقت الصلاة بالقول وهو عبارة عن الأذان يا عبدي وإن عصيتني سترت عليك بأن سترتك عن أعين من وليته إقامة حدودي فيك وفي أمثالك فلم أؤاخذك وتحببت إليك بالنعم وجررت على خطيئتك ذيل الكرم فمحا آثارها كرمي ودعتك إلي بالقدوم على نعمي فإن رجعت إلى قبلتك على ما كان منك من يفعل معك ذلك مع غناه عنك وفقرك إليه غيري فهذا من الحق بمنزلة الركوع من العبد فإذا فات المصلي أن يدرك من الحق مثل هذا كما فاته أن يسمع قول الحق في صلاته حمدني عبدي وأثنى على عبدي ومجدني عبدي وفوض إلى عبدي بسمعه لا بإيمانه وتملق العبد لمولاه وتحبب إليه وعرف أنه ما نزل إليه سبحانه هذا النزول إلا لسر خفي أبطنه فيه فينزهه العبد عن كل ما نزل فيه إليه بأن يقول سبحانك ليس كمثلك شئ ولهذا أمر العبد بالتنزيه في الركوع ليقابل بذلك نزول الحق إليه بمثل ما ذكرناه من كونه سبحانه يصلي علينا فينزلنا في صلاته علينا على ثلاث مراتب المرتبة الواحدة أن يجعلنا في صلاته علينا كالوطاء الذي نصلي عليه والثانية أن يصلي علينا صلاتنا على الجنازة والثالثة كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولكل نوع طائفة معينة لها حال معين فإنه سبحانه قد ذكر أنه يصلي علينا فقال هو الذي يصلي عليكم وملائكته كما قال فجمع بينه وبين ملائكته في الصلاة على نبيه فقال هو الذي يصلي عليكم وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا بصلاتنا عليه صلوا عليه وقد أمره بالجزاء فقال وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم فما أعجب القرآن لمن تدبر آياته وتذكر فينبغي للعبد أن يكون بين يدي الحق عند صلاته عليه كالجنازة ميتا لا حراك له ولا دعوى وهو في قبلة ربه فإن وافق ركوع العبد نزول الحق إليه بمثل قوله قل كل يعمل على شاكلته فقد أدرك الركعة ومن لم يقابل نزول الحق بركوعه عند هذا النزول الإلهي بالاسم الكريم إليه فما أدرك الركعة لغوية كانت أو شرعية فإن اعتباره في إدراكه قائما قبل أن يركع يعني قبل أن ينحني فهو قيامه بمصالح عباده ونظره لهم في قيامه بهم فإنه القائم على كل نفس بما كسبت بعين الرحمة فيرزقهم ويحسن إليهم وهم به مشركون وكافرون وقل عن الأدباء ما شئت ويدعوهم وهم عنه معرضون وعلى هواهم الذي اتخذوه إلها مقبلون وكذلك في السجود في مذهب من يرى الركعة المعتبرة للشرع أنها القيام من قيامه والانحناء من حنوه على عباده باسمه الحنان بما ذكرناه والسجود الإلهي وهو أعظم النزول الإلهي الذي أنزل الحق فيه نفسه منزلة عبده وهو قوله مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني وظمئت فلم تسقني وأكثر من هذا النزول الإلهي فلا يكون ثم فسر ذلك بأن فلانا مرض وفلانا جاع وفلانا ظمئ فأنزل نفسه منازلهم في أحوالهم وأضاف ذلك إليه في كنايته عن نفسه بهذه الأحوال فمن أدرك ذلك كله من الحق في صلاته فقد أدرك الركعة الإلهية من حيث إن الحق إمامه فيقابله العبد بما يستحق هذا الإنعام الإلهي من الشكر بالثناء بأوصاف السلب والتنزيه والكبرياء والعلو والعظمة والجبروت فهذه هي الركعة المشروعة والخلاف في هذه المسألة يؤول إلى اختلاف العلماء في الأخذ ببعض دلالة الأسماء أو بكلها فقد يسمى بعض الركعة ركعة كما يسمى كلها بجميع أجزائها ركعة كما يقال في أمر النبي صلى الله عليه وسلم في غسل الذكر فمن غسل رأس ذكره أجزأه فإنه ينطلق عليه اسم الذكر فيقال في اللسان فيمن غسل رأس ذكره إنه غسل ذكره وإن لم يعمه كغسل اسم اليد ( وصل في فصل مما يتعلق بهذا الباب ) إذا سها المأموم عن اتباع الإمام في الركوع حتى يسجد فقال قوم إذا فاته إدراك الركوع معه فقد فاتته الركعة ووجب عليه قضاؤها وقال قوم يعتد بالركعة إذا أمكنه أن يتم من الركوع قبل أن يقوم الإمام إلى الركعة الثانية وقال قوم يتبعه ويعتد بالركعة ما لم يرفع الإمام رأسه من الانحناء من الركعة الثانية وهذه الأقوال المختلفة تنبني عندي على مفهومهم من قوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه الحديث فهل من شرط المأموم أن يقارن فعله فعل الإمام أوليس من شرطه وهل هذا شرط في جميع أجزاء الركعة المشروعة الثلاثة وهو القيام والانحناء والسجود أم