ابن عربي

451

الفتوحات المكية

بذلك حمله بعض الناس على الندب وحمله بعض على الوجوب وهو الذي ذكرناه من أنه تبطل الصلاة بعدم هذه الصفة والذي أقول به إن الصلاة صحيحة وهم عصاة أما الصف الأول فورد الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسابقة إليه ثم إنه قال فيه ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه يريد الاقتراع وأما التسوية فإنهم دعوا إلى حال واحدة مع الحق وهي الصلاة فساوى في هذه الدعوة بين عباده فلتكن صفتهم فيها إذا أقبلوا إلى ما دعاهم إليه تسوية الصفوف لأن الداعي ما دعا الجماعة إلا ليناجيهم من حيث إنهم جماعة على السواء لا يخص واحد دون آخر فيجب أن يكونوا على السواء والاعتدال في الصف لا يتأخر واحد من الصف ولا يتقدم بشئ منه يؤدي إلى اعوجاجه فإنهم يناجون من هذه الحيثية وينبغي أن تكون الصور الباطنة والهمم من المصلين متساوية في نسبة التوجه إلى الله تعالى والإخلاص له في تلك العبادة التي دعاهم إليها من حيث ما هم مصلون وإن الله لما اصطفى منهم واحدا سماه إماما ليناجيه عن الجماعة بما يحب أن يهبه للجماعة وجعله كالترجمان بين يديه وبين أيديهم مقبلا على ربهم فيجب على الجماعة السكوت والإنصات والانتظار لما يرد عليهم من سيدهم بوساطة ذلك الإمام ولهذا جاء في حديث جابر أن قراءة الإمام كافية عن الجماعة فإنه الذي قدمه الحق للمناجاة فلما كان الإمام هو المقصود في النيابة عن الجماعة وأمر الشرع أن يأتموا به في كل ما يفعله مما شرع له فعله وجب عليهم الإنصات والاقتداء بكل ما يفعله الإمام في صلاته وأما التراص في الصف فهو أن لا يكون بين الإنسان وبين الذي يليه خلل من أول الصف إلى آخره وسبب ذلك أن الشياطين تسد ذلك الخلل بأنفسها وهم في محل القربة من الله تعالى فينبغي أن يكونوا في القرب بعضهم من بعض بحيث أن لا يبقى بينهم خلل يؤدي إلى بعد كل واحد من صاحبه فتكون المعاملة فيما بينهم من أجل الخلل نقيض ما دعوا إليه من صفة القربة فيتخلل تلك الخلل والفرج البعداء من الله لمناسبة البعد الذي بين الرجلين في الصف في الصلاة فينقصهم من رحمة القرب الذي للمصلي في الصف بقدر الخلل وبمرتبة ذلك الشيطان من البعد عن الله فإذا ألزقت المناكب بعضها ببعض انسد الخلل ولم تجد صفة البعد عن الله محلا تقوم به لأن الشيطان الذي هو محل البعد عن الله ليس هناك وإنما تفرح الشياطين بخلل الصف وتدخل فيه لما ترى من شمول الرحمة التي يعطي الله للمصلين فتزاحمهم في تلك الفرج لينا لهم من تلك الرحمة شئ بحكم المجاورة من عين المنة لمعرفتهم بأنهم البعداء عن الله وما هم هؤلاء الشياطين الذين يوسوسون في الصلاة فإن أولئك محلهم القلوب فهم على أبواب القلوب مع الملائكة تلقي إلى النفس وتنكت في القلب ما يشغله عما دعى إليه ومن جملة ما تلقي إليه أن لا يسد الخلل الذي بينه وبين صاحبه لوجهين الوجه الواحد ليتصف بالمخالفة فيؤديه إلى البعد عن الله فإن الشيطان إنما كان بعده عن الله لمخالفته لأمر الله والوجه الثاني في حق أصحابهم من الشياطين ليتخللوا ذلك الخلل فتصيبهم رحمة المصلين فيناجي الإمام ربه ويناجيه ولهذا شرع كناية الجمع في مناجاة الصلاة وأن لا يخص الإمام نفسه في الدعاء دونهم فإنه لسان الجماعة فالمكاشف يشهد هذا كله ويأخذ عن الله مما يعطيه بوساطة هذا الإمام ما يأتي به الله وسواء كان ذلك الإمام قد وفي حق ما دعى إليه من الحضور مع الله أم لا فيتلقاه كل من هذه صفته من الله فيسعد الإمام بمثل هذا المأموم وأما غير المكاشف وغير الحاضر في الصلاة بقلبه إذا اجتمع هو والإمام في عدم الحضور كان الإمام من الأئمة المضلين فإن حضر الجماعة مع الله ما عدا الإمام كان الإمام ضالا وحده وإن سعد فبمن خلفه وإن حضر الإمام وحده ولم تحضر قلوب الجماعة في تلك الصلاة شفع الإمام في الجماعة كلها فإنه العين المقصودة من الجماعة فقد حصل المقصود ولهذا ينبغي أن يختار للإمامة أهل الدين والخير والمشتغلين بالله وإن كانوا قليلين من العلم فهم أولى بالإمامة من العلماء الغافلين لأن المراد من المصلي الحضور مع الله فلا يحتاج من العلم المصلي من حيث ما هو مصل إلا أن يعرف أنه بين يدي ربه يناجيه بما يسر الله له من تلاوة كتابه لا غير ذلك فلا يبالي بما نقصه من العلم في حال صلاته حتى إن المصلي لو أحضر في مناجاته مبايعة ومسائل طلاق ونكاح لم يكن بينه وبين الغافل عن صلاته فرق وإنما يكون مع الله من حيث ما هو بين يديه في عبادة خاصة دعاه إليها يحرم عليه فيها في باطنه ما حرم عليه في ظاهره فكما لا ينبغي أن يلتفت بوجهه التفاتا يخرجه عن القبلة كذلك لا ينظر بقلبه إلى غير