ابن عربي

421

الفتوحات المكية

من معاني تلك الآية ولهذا ورد في الجواب أدنى مراتب العامة مجملا إذا العامي والعجمي الذي لا علم له بمعنى ما يقرأ يكون قول الله له ما ورد في الخبر فإن فصلت في الاستحضار فصل الله لك الجواب فلا يفوتنك هذا القدر في القراءة فإن به تتميز مراتب العلماء بالله والناس في صلاتهم فإذا فرع الإنسان من التوجيه فليقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هذا نص القرآن وقد ورد في السنة الصحيحة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فالعارف إذا تعوذ ينظر في الحال الذي أوجب له التعوذ وينظر في حقيقة ما يتعوذ به وينظر في ما ينبغي أن يعاذ به فيتعوذ بحسب ذلك فمن غلب عليه في حاله إن كل شئ يستعاذ منه بيد سيده وأن كل ما يستعاذ به بيد سيده وأنه في نفسه عبد محل التصريف والتقليب فعاذ من سيده بسيده وهو قوله صلى الله عليه وسلم وأعوذ بك منك وهذه استعاذة التوحيد فيستعيذ به من الاتحاد قال تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم وقال كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقال الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قصمته ومن نزل عن هذه الدرجة في الاستعاذة استعاذ مما لا يلائم بما يلائم فعلا كان أو صفة هذه قضية كلية والحال يعين القضاياء والحكم يكون بحسبها ورد في الخبر أعوذ برضاك من سخطك أي بما يرضيك مما يسخطك فقد خرج العبد هنا عن حظ نفسه بإقامة حرمة محبوبه فهذا لله ثم الذي لنفسه من هذا الباب قوله وبمعافاتك من عقوبتك فهذا في حظ نفسه وأي المرتبتين أعلى في ذلك نظر فمن نظر إلى ما يقتضيه جلال الله من أنه لا يبلغ ممكن أي ليس في حقيقة الممكن قبول ما ينبغي لجلال الله من التعظيم وأن ذلك محال في نفس الأمر لم ير إلا أن يكون في حظ نفسه فإن ذلك عائد عليه ومن نظر في قوله إلا ليعبدون قال ما يلزمني من حق ربي إلا ما نبلغه قوتي فإنا لا أعمل إلا في حق ربي لا في حق نفسي فشرع الشارع الاستعاذتين في هذين الشخصين ومن رأى أن وجوده هو وجود ربه إذ لم يكن له من حيث هو وجود قال أعوذ بك منك وهي المرتبة الثالثة وثبت في هذه المرتبة عين العبد فالقارئ للقرآن إذا تعوذ عند قراءة القرآن علمه المكلف وهو الله تعالى كيف يستعيذ وبمن يستعيذ وممن يستعيذ فقال له إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فأعطاه الاسم الجامع وذكر له القرآن وما خص آية من آية لذلك لم يخص اسما من اسم بل أتى بالاسم الله فالقارئ ينظر في حقيقة ما يقرأ وينظر فيما ينبغي أن يستعاذ منه في تلك الآية فيذكره في استعاذته وينظر فيما ينبغي أن يستعاذ به من أسماء الله أي اسم كان فيعينه بالذكر في استعاذته ولما كان قارئ القرآن جليس الله من كون القرآن ذكرا والذاكر جليس الله ثم زاد أنه في الصلاة حال مناجاة الله فهو أيضا في حال قرب على قرب كنور على نور كان الأولى أن يستعيذ هنا بالله وتكون استعاذته من الشيطان لأنه البعيد يقال بئر شطون إذا كانت بعيدة القعر والبعد يقابل القرب فتكون استعاذته في حال قربه مما يبعده عن تلك الحالة فلم يكن أولى من اسم الشيطان ثم نعته بالرجيم وهو فعيل فأما بمعنى المفعول فيكون معناه من الشيطان المرجوم يعني بالشهب وهي الأنوار المحرقة قال تعالى وجعلناها يعني الكواكب رجوما للشياطين والصلاة نور ورجمه الله بالأنوار فكانت الصلاة مما تعطي بعد الشيطان من العبد قال تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بسبب ما وصفت به من الإحرام وإن كان بمعنى الفاعل فهو لما يرجم به قلب العبد من الخواطر المذمومة واللمات السيئة والوسوسة ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي من الليل وكبر تكبيرة الإحرام قال الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا وسبحان الله بكرة وأصيلا وسبحان الله بكرة وأصيلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه قال ابن عباس همزه ما يوسوسه في الصلاة ونفثه الشعر ونفخه الذي يلقيه من الشبه في الصلاة يعني السهو ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن سجود السهو ترغيم للشيطان فوجب على المصلي أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بخالص من قلبه يطلب بذلك عصمة ربه ولما لم يعرف المصلي بما يأتيه الشيطان من الخواطر السيئة في صلاته والوسوسة لم يتمكن أن يعين له ما يدفعها به فجاء بالاسم الله الجامع لمعاني الأسماء إذ كان في قوة هذا الاسم حقيقة كل اسم دافع في مقابلة كل خاطر ينبغي أن يدفع فهكذا ينبغي للمصلي أن يكون حاله في استعاذته إن وفقه الله ثم يقول بعد الاستعاذة بسم الله الرحمن الرحيم