ابن عربي

411

الفتوحات المكية

وقد يأتيه الأمر بغتة فإن موسى مشى ليقبس نارا فكلمه ربه ولم يكن له قصد في ذلك والأصل في العبادات كلها أنها من الله ابتداء لا مقصودة للمكلفين إلا ما شذ من ذلك كآية الحجاب وغيرها في حق عمر بن الخطاب وإنما يمنع القصد في الباطن المعتبر لأن الحقيقة تعطي أن ما ثم شئ خارج عن الحق أو تخلى الحق عنه حتى يقصده في أمر يكون فيه بل هو في نسبة الكل إليه نسبة واحدة فإلى أين أقصد وهو معي حيث كنت وعلى أي حال كنت فما بقي القصد جهة القربة إلى الله وإنما متعلق القصد حال مخصوص مع الله قصدته عن حال مخصوص مع الله خرجت منه به إليه والأحوال مختلفة فمن راعى اختلاف الأحوال قال بوجوب النية وعلى هذا النحو تنوعت الشرائع وجاءت ومن راعى الحضور ولم ينظر إلى الأحوال كان صاحب حال فلم يعرف النية فإنه في العين قال تعالى في حق من هذا حاله من باب الإشارة لا التفسير فأين تذهبون ومثله إنني معكما أسمع وأرى انتهى الجزء السابع والثلاثون ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ( فصل بل وصل في نية الإمام والمأموم ) اختلف علماء الشريعة في نية الإمام والمأموم هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الإمام في الصلاة أعني في تعيين الصلاة وفي الوجوب فمن قائل إنه يجب ومن قائل إنه لا يجب ولكل قائل حجة ليس هذا موضعها اعتبار النفس في ذلك الصحيح إنه لا يجب لأنه أمر غيبي ولا يكون الائتمام إلا بما يتعلق به الحس من سماع أو مشاهدة ولهذا فصل الشارع ما أجمله في الائتمام فذكر الأفعال المدركة بالحس بأي حس أدركها وما ذكر النية فإنها من عمل القلب فإنه تكليف ما لا يوصل إلى معرفته ومن علم إن الاتساع الإلهي يحيل أن يكرر الحق التجلي لشخص أو يتجلى لشخصين في صورة واحدة علم أن نية المأموم لا ترتبط بنية الإمام إلا في الصلاة من كونها ذات أفعال ولكل امرئ ما نواه فإن القصد بالتجلي الامتنان من المتجلي على المتجلي له والقصد من المتجلي له العلم والالتذاذ بذلك التجلي ( فصل بل وصل في حكم الأحوال في الصلاة ) اعلم أن الصلاة تشتمل على أقوال وأفعال ويكون حكمها بحسب الأحوال فإن جميع العبادات تنبني على الأحوال وهي المعتبرة للشارع فيكون الحكم يتوجه على المكلف من جهة الحال التي بكون عليها والأسماء تابعة للأحوال ولهذا يراعيها الشارع في الحكم على المكلف قيل لمالك بن أنس ما تقول في خنزير الماء فأفتى بتحريمه فقيل له أليس هو من سمك البحر فقال رضي الله عنه أنتم سميتموه خنزيرا ما زادهم على ذلك كذلك الخمر المحرم شربها إذا تخللت زال عنها اسم الخمر لزوال الحال الذي أوجب له اسم الخمر فسمي خلا لحال آخر طرأ عليه والجوهر عين الجوهر فانتقل الحكم من التحرم إلى الحل والظاهر والباطن في هذا على السواء في الحكم فإن الاعتبار إنما هو من الشرع لمن عقل عنه ( فصل بل وصل في التكبير في الصلاة ) اختلف علماء الشريعة في التكبير في الصلاة على ثلاثة مذاهب فمن ذاهب إلى أنه كله واجب في الصلاة ومن ذاهب إلى أنه كله ليس بواجب نقيض الأول ومن ذاهب إلى أنه ليس بواجب إلا تكبيرة الإحرام فقط اعتبار النفس في ذلك تكبير الله واجب على كل حال ولكن من شرطه مشاهدة الإنسان نفسه فإن لم يشاهد إلا الله ولم ير لغير الله عينا فلا يجب التكبير لأنه ما ثم على من فإن الله لا يجب عليه شئ وأن التكبير لا يعقل إلا بوجود الأغيار أو تقدير وجود الأغيار ثم إن القائلين لا مشهود لهم إلا الله شاهدا ومشهودا وشهادة وأعم من هذه الحالة في الفناء ما يكون فإن شاهده من حيث أسماؤه الإلهية الحسنى أوجب التكبير من حيث نسبها أي من نسب بعضها لبعض فإن الاسم الحي له مهيمنية على جميع الأسماء والاسم العالم أعم في التعلق من الاسم المريد والقادر فالتكبير لا بد منه فإن حقائق الأسماء تطلبه لتفاضلها وإن نظر في الأسماء الإلهية من حيث ما تجتمع فيه وهو المسمى بها فإنها موضوعة من المتكلم للدلالة على عين المسمى وإن كان لها حقائق في نفوسها مما يكون متعلقة التنزيه أو الأغيار لم ير التكبير ومن فرق بين الصلاة وغيرها من العبادات رأى وجوب