ابن عربي

341

الفتوحات المكية

مختلفة في القدرة على ذلك ومحل ذلك اليد فمن مزيل بصفة القهر ومن مزيل بسياسة وترغيب كما يمسح الإنسان بيده رأس اليتيم جبرا لانكساره بلطف وحنان فلهذا ترجع بعضية اليد في المسح وكليته فاعلم ذلك ولما كان الموجب لهذا الخلاف عند العلماء وجود الباء في قوله برءوسكم فمن جعلها للتبعيض بعض المسح ومن جعلها زائدة للتوكيد في المسح عم بالمسح جميع الرأس وإن الباء في هذا الموضع هو وجود القدرة الحادثة فلا يخلو إما أن يكون لها أثر في المقدور فتصح البعضية وهو قول المعتزلي وغيره وإما أن لا يكون لها أثر في المقدور بوجه من الوجوه فهي زائدة كما يقول الأشعري فيسقط حكمها فتعم القدرة القديمة مسح الرأس كله لم تبعض مسحه القدرة الحادثة ويكون حد مراعاة التوكيد من كونها زائدة للتوكيد هو الاكتساب الذي قالت به الأشاعرة وهو قوله تعالى في غير موضع من كتابه بإضافة الكسب والعمل إلى المخلوق فلهذا جعلوا زيادتها لمعنى يسمى التوكيد ألا ترى العرب تقابل الزائد بالزائد في كلامها تريد بذلك التوكيد وتجيب به القائل إذا أكد قوله يقول القائل إن زيدا قائم أو يقول ما زيد قائما فيقول السامع في جواب إن زيدا قائم ما زيد قائما وفي جواب ما إن زيدا قائم فيثبت ما نفاه القائل أو ينفي ما أثبته القائل فإن أكد القائل إيجابه فقال إن زيدا لقائم فأدخل اللام لتأكيد ثبوت القيام أدخل المجيب الباء في مقابلة اللام لتأكيد نفي ما أثبته القائل فيقول ما زيد بقائم ويسمى مثل هذا زائدا لأن الكلام يستقل دونه ولكن إذا قصد المتكلم خلاف التبعيض وأتى بذلك الحرف للتأكيد فإن قصد التبعيض لم يكن زائدا ذلك الحرف جملة واحدة والصورة واحدة في الظاهر ولكن تختلف في المعنى والمراعاة إنما هي لقصد المتكلم الواضع لتلك الصورة فإذا جهلنا المعنى الذي لأجله خلق سبحانه لتمكن من فعل بعض الأعمال نجد ذلك من نفوسنا ولا ننكره وهي الحركة الاختيارية كما جعل سبحانه فينا المانع من بعض الأفعال الظاهرة فينا ونجد ذلك من نفوسنا كحركة المرتعش الذي لا اختيار للمرتعش فيها لم ندر لما يرجع ذلك التمكن الذي نجده من نفوسنا هل يرجع إلى أن يكون للقدرة الحادثة فينا أثر في تلك العين الموجودة عن تمكننا أو عن الإرادة المخلوقة فينا فيكون التمكن أثر الإرادة لا أثر القدرة الحادثة من هنا منشأ الخلاف بين أصحاب النظر في هذه المسألة وعليه ينبغي كون الإنسان مكلفا لعين التمكن الذي يجده من نفسه ولا يحقق بعقله لما ذا يرجع ذلك التمكن هل لكونه قادرا أو لكونه مختارا وإن كان مجبورا في اختياره ولكن بذلك القدر من التمكن الذي يجده من نفسه يصح أن يكون مكلفا ولهذا قال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها فقد أعطاها أمرا وجوديا ولا يقال أعطاها لا شئ وما رأينا شيئا أعطاها بلا خلاف إلا التمكن الذي هو وسعها لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وما يدري لما ذا يرجع هذا التمكن وهذا الوسع هل لأحدهما أعني الإرادة أو القدرة أو لأمر زائد عليهما أو لهما ولا يعرف ذلك إلا بالكشف ولا يتمكن لنا إظهار الحق في هذه المسألة لأن ذلك لا يرفع الخلاف من العالم فيه كما ارتفع عندنا الخلاف فيها بالكشف وكيف يرتفع الخلاف من العالم والمسألة معقولة وكل مسألة معقولة لا بد من الخلاف فيها لاختلاف الفطر في النظر فقد عرفت مسح الرأس ما هو في هذه الطريقة وبقي من حكمه المسح على العمامة وما في ذلك من الحكم ( وصل في المسح على العمامة ) فمن علماء الشريعة من أجاز المسح على العمامة ومنع من ذلك جماعة فالذي منع لأنه خلاف مدلول الآية فإنه لا يفهم من الرأس العمامة فإن تغطية الرأس أمر عارض والمجيز ذلك لأجل ورود الخبر الوارد في مسلم وهو حديث قد تكلم فيه وقال فيه أبو عمر بن عبد البر إنه معلول ( وصل مسح العمامة في الباطن ) وأما حكم المسح على العمامة في الباطن فاعلم إن الأمور العوارض لا يعارض بها الأصول ولا تقدح فيها فالذي ينبغي لك أن تنظر ما السبب الموجب لطرو ذلك العارض فلا يخلو إما أن يكون مما يستغني عنه أو يكون مما يحصل الضرر بفقده فلا يستغني عنه فإن استغنى عنه فلا حكم له في إزالة حكم الأصل وإن لم يستغن عنه وحصل الضرر بفقده كان حكمه حكم الأصل وناب منابه وإن بقي من الأصل جزء ما ينبغي أن يراعى ذلك الجزء الذي بقي ولا بد ويبقى ما بقي من الأصل ينوب عنه هذا الأمر العارض الذي يحصل الضرر بفقده هذا مذهبنا فيه ولهذا ورد في الحديث الذي ذكرنا أنه معلول عند بعض علماء هذا الشأن إن المسح وقع على الناصية والعمامة معا فقد مس الماء الشعر