ابن عربي
251
الفتوحات المكية
فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه عناية من الله سبحانه به صلى الله عليه وسلم إلى أن فجأه الحق فجاءه الملك فسلم عليه بالرسالة وعرفه بنبوته فلما تقررت عنده أرسل إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ودعا إلى الله عز وجل على بصيرة فالوارث الكامل من الأولياء منا من انقطع إلى الله بشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن فتح الله له في قلبه في فهم ما أنزل الله عز وجل على نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بتجل إلهي في باطنه فرزقه الفهم في كتابه عز وجل وجعله من المحدثين في هذه الأمة فقام له هذا مقام الملك الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رده الله إلى الخلق يرشدهم إلى صلاح قلوبهم مع الله ويفرق لهم بين الخواطر المحمودة والمذمومة ويبين لهم مقاصد الشرع وما ثبت من الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يثبت بإعلام من الله أتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما فيرقى هممهم إلى طلب الأنفس بالمقام الأقدس ويرغبهم فيما عند الله كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالته غير إن الوارث لا يحدث شريعة ولا ينسخ حكما مقررا لكن يبين فإنه على بينة من ربه وبصيرة في علمه ويتلوه شاهد منه بصدق اتباعه وهو الذي أشركه الله تعالى مع رسوله صلى الله عليه وسلم في الصفة التي يدعو بها إلى الله فأخبر وقال أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وهم الورثة فهم يدعون إلى الله على بصيرة وكذلك شركهم مع الأنبياء عليهم السلام في المحنة وما ابتلوا به فقال إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وهم الورثة فشرك بينهم في البلاء كما شرك بينهم في الدعوة إلى الله فكان شيخنا أبو مدين رضي الله عنه كثيرا ما يقول من علامات صدق المريد في إرادته فراره عن الخلق وهذه حالة الرسول صلى الله عليه وسلم في خروجه وانقطاعه عن الناس في غار حراء للتحنث ثم يقول ومن علامات صدق فراره عن الخلق وجوده للحق فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحنث في انقطاعه حتى فجأه الحق ثم قال ومن علامات صدق وجوده للحق رجوعه إلى الخلق يريد حالة بعثه صلى الله عليه وسلم بالرسالة إلى الناس ويعني في حق الورثة بالإرشاد وحفظ الشريعة عليهم فأراد الشيخ بهذا صفة الكمال في الورث النبوي فإن لله عبادا إذا فجأهم الحق أخذهم إليه ولم يردهم إلى العالم وشغلهم به وقد وقع هذا كثيرا ولكن كمال الورث النبوي الرسالي في الرجوع إلى الخلق فإن اعترضك هنا قول أبي سليمان الداراني لو وصلوا ما رجعوا إنما ذلك فيمن رجع إلى شهواته الطبيعية ولذاته وما تاب منه إلى الله وأما الرجوع إلى الله تعالى بالإرشاد فلا يقول لو لاح لهم بارقة من الحقيقة ما رجعوا إلى ما تابوا إلى الله منه ولو رأوا وجه الحق فيه فإن موطن التكليف والأدب يمنعهم من ذلك وأما قول الآخر من أكابر الرجال لما قيل له فلان يزعم أنه وصل فقال إلى سقر فإنه يريد بهذا أنه من زعم أن الله محدود يوصل إليه وهو القائل وهو معكم أينما كنتم أو ثم أمر إذا وصل إليه سقطت عنه الأعمال المشروعة وأنه غير مخاطب بها مع وجود عقل التكليف عنده وإن ذلك الوصول أعطاه ذلك فهو هذا الذي قال فيه الشيخ إلى سقر أي هذا لا يصح بل الوصول إلى الله بقطع كل ما دونه حتى يكون الإنسان يأخذ عن ربه فهذا لا تمنعه الطائفة بلا خلاف وكان شيخنا أبو يعقوب يوسف بن يخلف الكومي يقول بيننا وبين الحق المطلوب عقبة كؤود ونحن في أسفل العقبة من جهة الطبيعة فلا نزال نصعد في تلك العقبة حتى نصل إلى أعلاها فإذا استشرفنا على ما وراءها من هناك لم نرجع فإن وراءها ما لا يمكن الرجوع عنه وهو قول أبي سليمان الداراني لو وصلوا ما رجعوا يريد إلى رأس العقبة فمن رجع من الناس إنما رجع من قبل الوصول إلى رأس العقبة والإشراف على ما وراءها فالسبب الموجب للرجوع مع هذا إنما هو طلب الكمال ولكن لا ينزل بل يدعوهم من مقامه ذلك وهو قوله على بصيرة فيشهد فيعرف المدعو على شهود محقق والذي لم يرد ماله وجه إلى العالم فيبقى هناك واقفا وهو أيضا المسمى بالواقف فإنه ما وراء تلك العقبة تكليف ولا ينحدر منها إلا من مات إلا أنه منهم أعني من الواقفين من يكون مستهلكا فيما يشاهده هنالك وقد وجد منهم جماعة وقد دامت هذه الحالة على أبي يزيد البسطامي وهذا كان حال أبي عقال المغربي وغيره واعلم أنه بعد ما أعلمتك ما معنى الوصول إلى الله أن الواصلين على مراتب منهم من يكون وصوله إلى اسم ذاتي لا يدل إلا على الله تعالى من حيث هو دليل على الذات كالأسماء الأعلام عندنا لا تدل على معنى آخر مع