ابن عربي
141
الفتوحات المكية
إلينا فيها ميل فيطول النهار إذا كانت الشمس في المنازل العالية حيث كانت وإذا حلت الشمس في المنازل النازلة قصر النهار حيث كانت وإنما قلنا حيث كانت فإنه إذا طال الليل عندنا طال النهار عند غيرنا فتكون الشمس في المنازل العالية بالنسبة إليهم وفي المنازل النازلة بالنسبة إلينا فإذا قصر النهار عندنا طال الليل عندهم لما ذكرناه واليوم هو اليوم بعينه أربع وعشرون ساعة لا يزيد ولا يقص ولا يطول ولا يقصر في موضع الاعتدال فهذا هو حقيقة اليوم ثم قد نسمي النهار وحده يوما بحكم الاصطلاح فافهم وقد جعل الله هذا الزمان الذي هو الليل والنهار يوما والزمان هو اليوم والليل والنهار موجودان في الزمان جعلهما أبا وأما لما يحدث الله فيهما كما قال يغشى الليل النهار كمثل قوله في آدم فلما تغشاها حملت فإذا غشي الليل النهار كان الليل أبا وكان النهار أما وصار كل ما يحدث الله في النهار بمنزلة الأولاد التي تلد المرأة وإذا غشي النهار الليل كان النهار أبا وكان الليل أما وكان كل ما يحدث الله من الشؤون في الليل بمنزلة الأولاد التي تلد الأم وقد بينا هذا الفصل في كتاب الشأن لنا تكلمنا فيه على قوله تعالى كل يوم هو في شأن وسيأتي إن شاء الله في هذا الكتاب إن ذكرنا الله به من معرفة الأيام طرفا شافيا وكذلك قال تعالى أيضا يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل فزاد بيانا في التناكح وأبان سبحانه بقوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار أن الليل أم له وأن النهار متولد عنه كما ينسلخ المولود من أمه إذا خرج منها والحية من جلدها فيظهر مولدا في عالم آخر غير العالم الذي يحويه الليل والأب هو اليوم الذي ذكرناه وقد بينا ذلك في كتاب الزمان لنا ومعرفة الدهر فهذا الليل والنهار أبوان بوجه وأمان بوجه وما يحدث الله فيهما في عالم الأركان من المولدات عند تصريفهما يسمون أولاد الليل والنهار كما قررناه ولما أنشأ الله أجرام العالم كله القابل للتكوين فيه جعل من حد ما يلي مقعر السماء الدنيا إلى باطن الأرض عالم الطبيعة والاستحالات وظهور الأعيان التي تحدث عند الاستحالات وجعلها بمنزلة الأم وجعل من مقعر فلك السماء الدنيا إلى آخر الأفلاك بمنزلة الأب وقدر فيها منازل وزينها بالأنوار الثابتة والسابحة فالسابحة تقطع في الثابتة والثابتة والسابحة تقطع في الفلك المحيط بتقدير العزيز بدليل أنه رؤي في بعض الأهرام التي بديار مصر مكتوبا بقلم يذكر في ذلك تاريخ الأهرام أنها بنيت والنسر في الأسد ولا شك أنه الآن في الجدي كذا ندركه فدل على أن الكواكب الثابتة تقطع في فلك البروج الأطلس والله يقول في القمر والقمر قدرناه منازل وقال في الكواكب كل في فلك يسبحون وقال تعالى والشمس تجري لمستقر لها وقد قرئ لا مستقر لها وليس بين القراءتين تنافر ثم قال ذلك تقدير العزيز العليم ينظر إلى قوله في القمر أنه قدره منازل وقال لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون أي في شئ مستدير وجعل لهذه الأنوار المسماة بالكواكب أشعة متصلة بالأركان تقوم اتصالاتها بها مقام نكاح الآباء للأمهات فيحدث الله تعالى عند اتصال تلك الشعاعات النورية في الأركان الأربعة من عالم الطبيعة ما يتكون فيها مما نشاهده حسا فهذه الأركان لها بمنزلة الأربعة النسوة في شرعنا وكما لا يكون نكاح شرعي عندنا حلالا إلا بعقد شرعي كذلك أوحى في كل سماء أمرها فكان من ذلك الوحي تنزل الأمر بينهن كما قال تعالى يتنزل الأمر بينهن يعني الأمر الإلهي وفي تفسير هذا التنزل أسرار عظيمة تقرب مما نشير إليه في هذا الباب وقد روى عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية لو فسرتها لقلتم إني كافر وفي رواية لرجمتموني وإنها من أسرار آي القرآن قال تعالى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ثم قال يتنزل الأمر بينهن ثم تمم وأبان فقال لتعلموا إن الله على كل شئ قدير وهو الذي أشرنا إليه بصفة العمل الذي ذكرناه آنفا من إيجاد الله صفة العلم والعمل في الأب الثاني فإن القدرة للإيجاد وهو العمل ثم تمم في الأخبار فقال وإن الله قد أحاط بكل شئ علما وقد أشرنا إليه بصفة العلم التي أعطاها الله للأب الثاني الذي هو النفس الكلية المنبعثة فهو العليم سبحاته بما يوجد القدير على إيجاد ما يريد إيجاده لا مانع له فجعل الأمر يتنزل بين السماء والأرض كالولد يظهر بين الأبوين وأما اتصال الأشعة النورية الكوكبية عن الحركة الفلكية السماوية بالأركان الأربعة التي هي أم المولدات في الحين الواحد للكل معا جعله الحق مثالا للعارفين في نكاح أهل الجنة في الجنة جميع نسائهم وجواريهم في الآن الواحد نكاحا حسيا كما إن هذه الاتصالات حسية فينكح الرجل في الجنة جميع من عنده من المنكوحات إذا اشتهى ذلك في