ابن عربي
101
الفتوحات المكية
فلا شئ أعظم هما من عزيز لا يجد عزيزا يقهره حتى يذل تحت قهره فيصح سلطان عزه أو غني لا يجد من يفتقر إلى غناه وهكذا جميع هذه الأسماء فلجأت إلى أربابها الأئمة السبعة التي ذكرناها ترغب إليها في إيجاد عين هذا المثال الذي شاهدوه في ذات العالم به وهو المعبر عنه بالعالم وربما يقول القائل يا أيها المحقق وكيف ترى الأسماء هذا المثال ولا يراه إلا الاسم البصير خاصة لا غيره وكل اسم على حقيقة ليس الاسم الآخر عليها قلنا له لتعلم وفقك الله أن كل اسم إلهي يتضمن جميع الأسماء كلها وأن كل اسم ينعت بجميع الأسماء في أفقه فكل اسم فهو حي قادر سميع بصير متكلم في أفقه وفي علمه وإلا فكيف يصح أن يكون ربا لعابده هيهات غير إن ثم لطيفة لا يشعر بها وذلك أنك تعلم قطعا في حبوب البر وأمثاله إن كل برة فيها من الحقائق ما في أختها كما تعلم أيضا أن هذه الحبة ليست عين هذه الحبة الأخرى وإن كانتا تحويان على حقائق متماثلة فإنهما مثلان فابحث عن هذه الحقيقة التي تجعلك تفرق بين هاتين الحبتين وتقول إن هذه ليست عين هذه وهذا سار في جميع المتماثلات من حيث ما تماثلوا به كذلك الأسماء كل اسم جامع لما جمعت الأسماء من الحقائق ثم تعلم على القطع أن هذا الاسم ليس هو هذا الآخر بتلك اللطيفة التي بها فرقت بين حبوب البر وكل متماثل فابحث عن هذا المعنى حتى تعرفه بالذكر لا بالفكر غير أني أريد أن أوقفك على حقيقة ما ذكرها أحد من المتقدمين وربما ما أطلع عليها فربما خصصت بها ولا أدري هل تعطي لغيري بعدي أم لا من الحضرة التي أعطيتها فإن استقرأها أو فهمها من كتابي فإنا المعلم له وأما المتقدمون فلم يجدوها وذلك أن كل اسم كما قررنا يجمع حقائق الأسماء ويحتوي عليها مع وجود اللطيفة التي وقع لك التمييز بها بين المثلين وذلك أن الاسم المنعم والاسم المعذب اللذين هما الظاهر والباطن كل اسم من هذين الإسمين يتضمن ما تحويه سدنته من أولهم إلى آخرهم غير إن أرباب الأسماء ومن سواهم من الأسماء على ثلاث مراتب منها ما يلحق بدرجات أرباب الأسماء ومنها ما ينفرد بدرجة فمنها ما ينفرد بدرجة المنعم وبدرجة المعذب فهذه أسماء العالم محصورة والله المستعان فلما لجأت الأسماء كلها إلى هؤلاء الأئمة ولجأت الأئمة إلى الاسم الله لجأ الاسم الله إلى الذات من حيث غناها عن الأسماء سائلا في إسعاف ما سألته الأسماء فيه فأنعم المحسان الجواد بذلك وقال قل للأئمة يتعلقون بإبراز العالم على حسب ما تعطيه حقائقهم فخرج إليهم الاسم الله وأخبرهم الخبر فانقلبوا مسرعين فرحين مبتهجين ولم يزالوا كذلك فنظروا إلى الحضرة التي أذكرها في الباب السادس من هذا الكتاب فأوجدوا العالم كما سنذكره فيما يأتي من الأبواب بعد هذا إن شاء الله والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ( الباب الخامس في معرفة أسرار بسم الله الرحمن الرحيم والفاتحة من وجه ما لا من جميع الوجوه ) بسملة الأسماء ذو منظرين * ما بين إبقاء وإفناء عين إلا بمن قالت لمن حين ما * خافت على النمل من الحطمتين فقال من أضحكه قولها * هل أثر يطلب من بعد عين * يا نفس يا نفس استقيمي فقد * عاينت من نملتنا القبضتين وهكذا في الحمد فاستثنها * إن شئت أن تنعم بالجنتين إحداهما من عسجد مشرق * جملتها وأختها من لجين يا أم قرآن العلى هل ترى * من جهة الفرقان للفرقتين أنت لنا السبع المثاني التي * خص بها سيدنا دون مين فأنت مفتاح الهدى للنهي * وخص من عاداك بالفرقتين لما أردنا أن نفتتح معرفة الوجود وابتداء العالم الذي هو عندنا المصحف الكبير الذي تلاه الحق علينا تلاوة حال كما إن القرآن تلاوة قول عندنا فالعالم حروف مخطوطة مرقومة في رق الوجود المنشور ولا تزال الكتابة فيه دائمة أبدا لا تنتهي ولما افتتح الله تعالى كتابه العزيز بفاتحة الكتاب وهذا كتاب أعني العالم الذي نتكلم عليه أردنا أن نفتتح بالكلام على أسرار الفاتحة وبسم الله فاتحة الفاتحة وهي آية أولى منها أو ملازمة لها كالعلاوة على الخلاف المعلوم بين العلماء