خواجه نصير الدين الطوسي
35
جواهر الفرائض ( الفرائض النصيرية )
وقد أدّى التصرّف الحكيم من قبل المحقّق الطوسي والمقام العلمي والفكري الذي يتمتّع به إلى أن اعتبره هولاكو من جملة علمائه العظام ، لذا فقد سعى جاهدا أن يحافظ على حياته ، فكان يصحبه في جميع أسفاره لهذا الغرض . وفي هذه الأثناء صار لدى المحقّق الطوسي مقام عال ، وأصبح ذا نفوذ عند هولاكو ، خصوصا بعد فتح بغداد . فقام المحقّق الطوسي باستفادة من تلك الموقعيّة التي حصل عليها عند هولاكو ، فطلب منه منحه المناصب العلميّة ، وبالفعل جعله هولاكو مشاوره الأعلى في هذه الأمور ، « 1 » فجعل مدينة مراغة في منطقة آذربايجان عاصمة له . وقد وفّق المحقّق الطوسي - بتأثيره على فكر خان المغول - إلى إعمال استقرار أهدافه الإنسانيّة العالية ، وفي ذلك يكتب صاحب فوات الوفيات : « وكان للمسلمين به نفع ، خصوصا الشيعة والعلويّين والحكماء وغيرهم ، وكان
--> ( 1 ) - . كان لدى المحقّق الطوسي همّة عالية وإرادة قويّة ، ومن الواضح أنّ أهميّة الإنسان تنشأ من همّته ، ويقاس على أساسها ، وكلّما زادت همّته زادت قوتّه وعزيمته . وبسبب ما يتمتّع به المحقّق الطوسي من هذه الهمّة العالية ، لم يكن ليذل نفسه لقاء بعض المناصب الدنيويّة والأمور البسيطة ؛ خلافا لما تصوّره بعض المؤرّخين . ولا شكّ في أنّ المحقّق الطوسي كان مورد احترام وتكريم لدى الحكّام الاسماعيليّين ، وقد حافظ على هذا الاحترام الكبير لدى حاكم المغول هولاكو خان ، لكنّه مع ذلك لم يكن وزيرا في أيّ من الدولتين ، كما أنّه لم يكن يتدخّل في إدارة شؤون البلاد أبدا ، ولم يلوّث يديه بنصب الولاة والحكّام أو عزلهم ، بل كان يصرف جلّ أوقاته في التأليف والتصنيف والدراسة والتفكّر . نعم ، عندما كان يستشار في أمر معيّن ، لم يكن يتونى عن تقديم ما فيه المصلحة الواقعيّة ، بل كان يعمل بمقتضى الحكمة . وهكذا لم يكن يتدخّل في أمور البلاد بأكثر من المشورة وتقديم ما فيه المصلحة . وقد استطاع المحقّق الطوسي بهذا الأسلوب الذي اتّبعه أن يقوم بالعديد من الأعمال الكبرى ؛ حيث وقف أمام المخاطر التي كانت محدقة بالمؤسّسات الثقافية والمعنويّة ، بل وقف أمام القضاء بشكل كامل على هذه البلاد . فالذي قام به المحقّق الطوسي هو الذي ينبغي أن يصدر من أيّ فيلسوف قويم وإنسان عليم ، وعلى اطّلاع بشروط زمانه .