أبو علي سينا
9
الإشارات والتنبيهات ( تحقيق زارعي )
ثمّ توجّه إلى الري ، وبعدها بفترة قصيرة ذهب إلى همدان ، فعمل في بلاط شمس الدولة حاكم همدان الذي عيّنه وزيرا له . وقد أدّى انشغاله بمنصب الوزارة إلى تقليص نشاطه في مجال التدريس وربّما توقّفه ، غير أنّه وافق على إلقاء محاضرات في كتاب « القانون » ودروس في « الحكمة » ، وذلك بعد إلحاح من تلميذه الجوزجاني ؛ وقد تمخّض عن تلك المحاضرات كتاب « الشفاء » . وكان قد طلب من تلامذته أن يكتفوا بالاستماع لمحاضراته دون الخوض في مناقشة ، لعدم توفّر الوقت الكافي لذلك . والذي يطّلع على بعض مكاتبات ابن سينا ، يستنتج أنّه لم يكن راغبا في تولّي منصب الوزارة وإنّما تقبّله مضطرّا ؛ لأنّ ذلك إنّما يكون على حساب مستواه العلمي والمعنوي . ويبدو أنّ هنالك أمرين أدّيا إلى تقرّبه من الحكّام والسلاطين ، وهما : أوّلا : أنّه كان طبيبا ماهرا مشهورا ، ولذا فقد أصبح محطّ أنظارهم ، وذلك يستدعي تقريبه إليهم ، لأنّهم بحاجة إلى أمثاله . وثانيا : أنّ الشيخ - كسائر العلماء - كان بحاجة إلى مكان آمن بعيد عن الاضطرابات ليواصل التحقيق والتدريس والتأليف في كنف حاكم يكنّ للعلم والعلماء تقديرا واحتراما . ولذا فقد كان يفرّ من بعض الحكّام ويميل إلى بعض آخر ؛ وإن كان لعقائده ومذهبه تأثير في ذلك . عندما توفّي شمس الدولة خلفه ابنه مجد الدولة في إدارة دفّة الحكم ، وحينذاك استقال ابن سينا عن منصبه ، ممّا أثار غضب مجد الدولة ، وأدّى ذلك إلى فرار ابن سينا وتخفّيه في بيت أحد مريديه ، ثمّ هرب متنكرا إلى مدينة إصفهان ليعيش في كنف حاكمها « علاء الدولة » الذي قرّبه إليه فأصبح ابن سينا من خواصّه . كتب ابن سينا - حين كان في إصفهان - قسما آخر من كتابه « الشفاء » ، وأتمّه وهو في الطريق في بعص أسفاره التي استصحبه خلالها علاء الدولة ، وكذلك بالنسبة لكتاب « النجاة » . ابتلي ابن سينا - في أواخر حياته - بالصرع ؛ ممّا أدّى إلى ضعفه وتدهور حالته الصحّية ، فانتقل - وهو في هذه الحالة - إلى همدان وتوفّي ودفن هناك سنة 428 أو 427 للهجرة ، عن