عبد الرزاق اللاهيجي

97

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

وهذا هو أحد احتمالي كلام المصنّف ، بمعنى أنّ القول بالواسطة المستقلة في التدبير في العالم الجسماني غير معقول ؛ أي لم يذهب إليه أحد من العقلاء ، وإن كان مآل هذا الاحتمال والاحتمال الأوّل الّذي وجّهت به كلام المصنّف واحدا عند التحقيق . وقد يوجد عبارة المصنّف بتوجيهات بعيدة : منها : أنّه ردّ لما قد يقال : إنّ الواجب تعالى واسطة بين الموجب والمختار ؛ لأنّ المراد بالإيجاب هو ما نعلمه من الطبائع ، وهو منفيّ عنه تعالى لا محالة ، وبالاختيار ما نعلمه من الحيوان ، وهو أيضا منفيّ عنه تعالى ؛ لأنّ اختيار الحيوان ممكن واختياره تعالى يجب أن يكون واجبا ، فهو واسطة بين الموجب الّذي نفهمه وبين المختار الّذي نفهمه . وتقرير الرّد أنّه لا معنى للواسطة بين الموجب والمختار ؛ فإنّ « 1 » المختار ما يكون فاعلا بالاختيار ، سواء كان اختياره واجبا أو ممكنا ، ألا ترى أنّ سائر صفاته تعالى ليست كصفاتنا ، ولا يلزم ثبوت الواسطة ، فكذا الاختيار . ومنها : أنّ حاصل الكلام هو أنّه لمّا ثبت حدوث العالم ، انتفى الإيجاب ، ولمّا انتفى الإيجاب ثبت الاختيار ؛ إذ لا واسطة بين الإيجاب والاختيار ، فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر ، وذلك لأنّ موجد الشيء إمّا أن يمكن تخلّف أثره عنه وهو المختار ، أو لا وهو الموجب ، ولا واسطة بين النفي والإثبات .

--> ( 1 ) . في د : « إذ المختار » .