عبد الرزاق اللاهيجي
88
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
وإن أريد أنّه عاجز عن الإمساك مع مشيئة الفعل ، فذلك الإطلاق خطأ البتة ، إذ هذا المعنى ممّا يحقّق القدرة ويؤكّدها ، فكيف يصدق عليه ضدّها ؟ وهذا ما يقال : إنّ الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بل يحقّقه . وسيأتي في مسألة « الجبر والاختيار » ما يوضح هذا المقام . فظهر أنّه لا شناعة على الحكماء في إطلاقهم الإيجاب عليه تعالى زائدا على ما لزمتهم من القول بقدم العالم ، بل النزاع في الاختيار والإيجاب بالآخرة راجع إلى النزاع في الحدوث والقدم ، هذا . واحتجّ المتكلّمون على اختيار الصانع ونفي الإيجاب عنه بما أشار إليه المصنّف بقوله : ( وجود العالم ) : أي بجميع أجزائه بمعنى جميع ما سوى اللّه ( بعد عدمه ) ؛ أي كونه حادثا مسبوقا بالعدم الواقعي سبقا ذاتيّا في عرف المتكلّمين على ما مرّ في مبحث « أقسام السبق » « 1 » من الأمور العامة و « حدوث العالم » « 2 » بهذا المعنى ، وإن لم يثبت في ما مرّ من الكتاب ، بل الثابت فيه إنّما هو حدوث الأجسام وأعراضه فقط ، لكنّه ممّا أجمع عليه المتكلّمون . واستدلّوا عليه على ما أورده الإمام في كتاب " الأربعين " بما حاصله : « أنّ جميع ما سوى اللّه تعالى ممكن لا محالة لدليل التوحيد وأنّ كلّ ممكن يجب أن يكون محدثا ، لأن كلّ ممكن مفتقر إلى مؤثر في ترجيح وجوده على عدمه لا محالة ، فهذا الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يكون حال وجوده
--> ( 1 ) . لاحظ : الجزء الأوّل من هذا الكتاب : المسألة السّادسة والعشرون . ( 2 ) . انظر : الجزء الثّالث من هذا الكتاب : المسألة السّادسة من الفصل الثّالث .