عبد الرزاق اللاهيجي

31

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

2 . قد عرفت أنّ بعض السلف كانوا يتحرّجون من وصف القرآن بأنّه قديم ، وقالوا فقط إنّه غير مخلوق . ثمّ إنّ القائلين بهذا القول تدرّجوا فيه ووصفوا كلام اللّه بأنه قديم ، ومن المعلوم أنّ توصيف شيء بأنّه غير مخلوق أو قديم ممّا لا يتجرّأ عليه العارف ، لأنّ هذين الوصفين من خصائص ذاته سبحانه ، فلو كان كلامه سبحانه غير ذاته فكيف يمكن أن يتصف بكونه غير مخلوق ، أو كونه قديما . ولو فرضنا صحّة تلك العقيدة التي لا ينالها إلّا الأوحدي في علم الكلام ، فكيف يمكن أن تكون هذه المسألة الغامضة ممّا يجب الاعتقاد به على كلّ مسلم ، مع أنّ الإنسان البسيط بل الفاضل لا يقدر أن يحلل ويدرك كون شيء غير اللّه سبحانه ، وفي الوقت نفسه غير مخلوق . إنّ سهولة العقيدة ويسر التكليف من سمات الشريعة الإسلامية وبهما تفارق سائر المذاهب السائدة على العالم ، مع أنّ تصديق كون كلامه تعالى - وهو غير ذاته - غير مخلوق أو قديم ، شيء يعسر فهمه على الخاصة ، فكيف على العامة . 3 . إنّ الظاهر من أهل الحديث هو قدم القرآن المقروء ، الأمر الذي تنكره البداهة والعقل ونفس القرآن . وقد صارت تلك العقيدة بمنزلة من البطلان حتى تحامل عليها الشيخ محمد عبده إذ قال : « والقائل بقدم القرآن المقروء أشنع حالا وأضلّ اعتقادا عن كلّ ملّة جاء القرآن نفسه بتضليلها والدعوة إلى مخالفتها » . « 1 »

--> ( 1 ) . رسالة التوحيد ، الطبعة الأولى وقد حذف نحو صفحة من الرسالة في الطبعات اللاحقة لاحظ : ص 49 من طبعة مكتبة الثقافة العربية .