عبد الرزاق اللاهيجي

113

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

الهواء نفسه لا يكون مظلما ، إنّما المظلم هو الّذي هو المستنير . وبالجملة : فإنّ الظلمة عدم الضوء في ما من شأنه أن يستنير ، وهو الشّيء الّذي قد يرى ، فالنّور يرى وما يكون فيه النّور يرى ، والشفّاف لا ترى البتة ، فالظّلمة هي في محّل الاستنارة . وما يظنّ ؛ أنّ هناك ألوانا لكنّها مستورة ليس بشيء ، فإنّ الهواء لا يستر ، وإن كان على الصّفة الّتي ترى مظلما إذا كانت الألوان بالفعل . تأمّل ، كونك في غار وفيه هواء كلّه على الصّفة الّتي تظنّه أنت مظلما ، فإذا وقع النّور في جسم خارج موضوع في الهواء الّذي تحسبه نيّرا ، فإنّك تراه ، ولا يضرّك الهواء المظلم الواقف بينه وبينك ، بل الهواء عندك في الحالين ، كأنّه ليس بشيء . وإنّما الظلمة ، فهي حال أن لا ترى شيئا ، وهو أن لا تكون الكيفيّات الّتي إذا كانت موجودة في الأجرام الّتي لا تشف صارت مستنيرة ، فهي مظلمة ، فلا تراها ولا ترى الهواء ، فيتخيّل لك ما يتخيّل لك لو غمضت العينين وسترتهما فتتخيّل لك ظلمة مبثوثة تراها . فالجسم الّذي من شأنه أن يرى لونه ؛ إذا كان غير مستنير كان مظلما ، ولم يكن فيه بالحقيقة لون بالفعل . لكنّه إن سمّى إنسان الاستعدادات المختلفة الّتي تكون في الأجسام الّتي إذا استنارت صارت واحد منها الشّيء الّذي تراه بياضا والآخر حمرة ألوانا ، فله ذلك ، إلّا أنّه يكون باشتراك الاسم ، هذا خلاصة ما في " الشّفاء " » « 1 » .

--> ( 1 ) . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء : 2 / كتاب النّفس / 80 - 81 .