عبد الرزاق اللاهيجي
61
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
وكما في الحديث : الّذي يروونه إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر « 1 » . إلى غير ذلك . نعم ، كان الأصوب أن لا يقع الاستكشاف عنها والكلام فيها ، بل كان ينبغي الإيمان بحقائقها على حدّ « 2 » ما يفهمونه على تفاوت عقولهم ، ومراتب أفهامهم ، كما كان في الصّدر الأوّل . فلمّا وقع الاستكشاف عنها وحدث الكلام ، وشاع الاختلاف ، فالواجب أن يصار إلى مقتضى العقول الصّريحة والآراء الصّحيحة . ويرجع إلى قوانين النّظر والاستدلال البرهاني الموجب لليقين المبتني على المقدّمات البرهانيّة القطعيّة العقليّة الصرفة ، لمن أراد الترقّي عن حضيض التّقليد إلى ذروة التّحصيل ، وإن أدّى إلى ترك الظّواهر ورفض المتبادر ، لاستقلال العقل في أحوال المبدأ وسائر العقليّات ، بخلاف ما يتعلّق بالعمليّات ، والأمور الّتي لا يستقلّ مجرّد العقل فيها . وهذا ما وعدناك في صدر المقدّمة ، من أنّ الاعتماد على الدّلائل الكلاميّة من حيث هي كلاميّة غير مجد في تحصيل العقائد الدّينية . بل جدواها ، إنّما هو حفظ العقائد إجمالا على العقول القاصرة الغير
--> ( 1 ) . صحيح البخاري : 1 / 138 و 142 / باب فضل صلاة العصر ، رقم 554 ، وباب فضل صلاة الفجر ، رقم 573 . متن الحديث : عن قيس ، عن جرير ، قال : كنّا عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : « أما إنّكم سترون ربّكم ، كما ترون هذا القمر . . . » . نقله مسلم بن الحجاج في كتابه بعبارات شتّى . راجع : صحيح مسلم : 1 / 112 - 117 ، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربّهم ، وباب معرفة طريق الرؤية . وكذلك نقله القاضي عبد الجبار وأجاب عنه ، لاحظ : شرح الأصول الخمسة : 268 . ( 2 ) . متعلّق بقوله « لا يقع » .