الجصاص
97
الفصول في الأصول
وهذا عندنا لا يصح ، ولا يحتمل ما روى فيه ، لأنه لو كان هناك مخبر آخر وقد أخبرهم بذلك لنقل ، فلما لم ينقل إلا خبر مخبر واحد ، وأن الصحابة صارت إلى حكم خبره ، علمنا أنه لم يبلغهم ذلك من جهة غيره . ولو ساغ هذا التأويل لجاز أن يقال : إن النبي عليه السلام لم يرجم ما عزا بإقراره ، وإنما رجمه بشهادة أربع شهود عليه بالزنا ، وإن لم ينقل إلينا ، ولجاز أن يقال : إنه لم يرجمه للزنا وحده ، ولكن لأنه كان قبل عن ذلك ، فلذلك استحق الرجم ، ولجاز أن يقال : إنه لم يخير بريرة للعنق فحسب ، لكن لأن زوجها خيرها بعد العنق ، وإن لم ينقل ذلك إلينا ، ولزوم هذا الاعتبار يؤدي إلى إبطال السنن كلها ، لأنه جائز في حكم روي أن النبي عليه السلام حكم به لحدوث حادثة - أن يكون وجوبه كان متعلقا بأسباب أخرى لم تنقل إلينا . وعلى أن القائل بخبر الاثنين لا يصح له الاحتجاج بفعل أبي بكر وعمر وغيرهما ( 1 ) ، لأنه جائز أن يكون إنما قبل خبر جماعة بتواتر ( 2 ) الخبر عندهم ، ( 3 ) وإن لم ينقل إلينا إلا خبر الاثنين في نحو توريث الجدة السدس . ( 4 ) وذكر : أن ( 5 ) راوي خبر تحويل القبلة : عبد الله بن عمر ، وكان صغيرا يومئذ ، لأنه بلغ عام الخندق ، فلم يكن ممن يضبط ذلك . قال أبو بكر رحمه الله : وهذا لا متعلق له فيه ، لأن خبر مسجد قباء قد رواه أيضا أنس بن مالك ، وهو مشهور عنه . وأيضا : فإن كون هذه القصة أشهر في الأمة من أن تحتاج إلى إسناد ، حتى قد صار يسمى مسجد القبلتين إلى يومنا هذا ، لأنهم صلوا فيه بعض صلاتهم إلى بيت المقدس ، وبعضها إلى الكعبة ، في صلاة واحدة . وعلى أن ابن عمر كان صغيرا يومئذ - فإنه لم يكن من الصغر في حد لا يضبط مثله في ذلك ، لأن سنه في وقت تحويل القبلة كان أربع عشرة سنة ونحوها ، لأن القبلة حولت قبل وقعة بدر بشهرين ، وكان سن ابن عمر يومئذ أربع