الجصاص

91

الفصول في الأصول

الواحد إنما يوجب عندنا العلم الظاهر دون الحقيقة ، لم يكن في الآيات التي ذكرها السائل ما ينفي قبوله ، إذا كان ما أوجبه ضربا من العلم يجوز أن يقتضيه ظاهر هذه الآيات ، ليكون الحكم به حكما لموجبها ومقتضاها ، ولو كانت هذه الآية موجبة لما ادعاه السائل - لمنعت قبول قول الرسول في الهدية ، ولسقطت أخبار المعاملات كلها ، لأنها لا توجب علم الحقيقة . ومعلوم : أن أكثر أخبار المعاملات تشتمل على إباحة ما كان محظورا قبل الخبر ، وحظر ما كان مباحا . فلما اتفق المسلمون على قبول أخبار المعاملات في إباحة ما كان محظورا ، وحظر ما كان مباحا ، مع عدم العلم الحقيقي بصحة مخبرها ، بطل بذلك استدلال من استدل بظواهر هذه الآيات على نقي قبول أخبار الآحاد في أمور الديانات ، من حيث لم يوجب علما لمخبرها . وعلى أنه لو استدل مستدل على قبول خبر الواحد بظواهر هذه الآيات ، لم يتعدد ذلك ، لأن قوله تعالى : ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) ( 1 ) وقوله تعالى : ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) ( 2 ) ونحو ذلك قد اقتضى الحكم بما يجوز في إطلاق اللفظ ، فإنه حكم بعلم ، وهو قول الحق ، وكان ما يخبر به العدل موجبا لضرب من العلم ، أوجب ذلك دخوله في ظاهر الآية ، ولزم الحكم به بعمومها . فإن قال قائل : أخبار الآحاد الواردة في أمور الديانات مخالفة للشهادات ، والإقرارات ، وأخبار المعاملات ، وذلك لأنا إنما كلفنا الشهادة في الإقرار من علم الإقرار والشهادة والقضاء بهما ، ولم نكلف علم ما كان به الإقرار ، ولا علم ما قامت به الشهادة . وكذلك قوله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات ) ( 3 ) إنما كلفنا فيهن علم ظهور ذلك منهن ، لا علم المضمن ، فهو مخالف لخبر الواحد في الدين ، لأنا كلفنا فيه علم المخبر عنه بقوله تعالى : ( وأن تقولوا ( 4 ) على الله ما لا تعلمون ) ( ولا تقولوا على الله إلا الحق ) ( 5 ) وقوله تعالى : ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) . ( 6 )