الجصاص

85

الفصول في الأصول

لم يقطع بصحة خبر كل واحد منهم بعينه ، إذا قررناه في أنه صلى الجمعة معهم ، وإذا كنا قد علمنا باضطراد : أن روايات الأفراد في كثير من الأحكام قد اشتملت على صدق فيما أخبرت به وروته ، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يكون منه الحكم في بعض أمور الدين ، يخبر به الخاص من الناس الذي لا يوجب نقله العلم بصحة مخبره ، ولا يشيعه في سائر الناس ، على ما كان يحدث من الحوادث ، ويبلى بها خواص من الناس ، فيكون معرفة أحكامها موقوفة على من بلى بها ، دون كافة الناس . وإن كان ذلك كذلك . فلولا أن خبر ذلك الواحد يوجب العمل بموجب حكمه ، لما أخبر ( 1 ) النبي عليه السلام ذلك الحكم من إشاعته وإظهاره للناس حتى يتواتر الحكم ، ( 2 ) وغير جائز أن يكلهم إلى اجتهاد رأيهم ، مع وجود النص منه في حكم بعينه ، فدل على أنه إنما وكلهم إلى العمل بالخبر ( 3 ) الذي أودعه الواحد والاثنين ، ومن لا يوجب خبره العلم . ومن جهة الإجماع : أنه لا خلاف في الصدر الأول ومن بعدهم ، ومن تابعهم ، وأتباعهم ، في قبول الأخبار في كثير من أمور الديانات . والذي نبينه ما روي في الأخبار المتواترة من الصدر الأول ، وأخبار الآحاد في ذلك ، والعمل بها من غير نكير من أحد منهم على قائلها ، ولا رد لها . وقد أورد ( 4 ) عيسى بن أبان من ذلك جملا . منها : ما روى عن علي عليه السلام قال : كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه ، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته ، فإن حلف صدقته ، وحدثني أبو بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس من رجل يذنب ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ، ثم يصلي ويستغفر الله ، إلا غفر له الله ) . ( 5 )