الجصاص

64

الفصول في الأصول

شهدت بصحته الشواهد الصادقة ، والأعلام المعجزة ، التي ليست في مقدور البشر ، فأوجبت لنا العلم بصحة إخباره عليه السلام ، وهذا العلم هو علم اكتساب ، واقع من نظر واستدلال ، وليس بعلم ضروري . ألا ترى : أن من لم ينظر ولم يستدل لم يعلم صحة ذلك ، ولو كان كذلك علم ضرورة لاستوى السامعون بخبره ، في وقوع العلم بمخبره ، وقد علمنا أن الكفار الذين كانوا في زمان النبي عليه السلام لم يعلموا ذلك ، مع سماعهم بخبره ، ومشاهدتهم لأعلامه ومعجزاته . وكذلك من اتصل به خبر ذلك من طريق التواتر ممن كان شاهده ، ولم يعلم صحته من لم يستدل عليه . ومن أخبار الآحاد الذي نعلم صحته بالاستدلال : من أخبر بشئ بحضرة النبي عليه السلام ، فصدقه النبي عليه السلام فيه ، فيكون تصديقه إياه بمنزلة إخباره به ، وقد ثبت بالدلائل الواضحة : ما قال النبي عليه السلام ، فهو حق وصدق . وكذلك خبر مخبر ينزل القرآن بتصديقه ، أو يجمع المسلمون على صدقه . فبذا كله نعلم صحته بالاستدلال ، وهي الدلائل الدالة على صدق النبي عليه السلام ، وعلى أن القرآن من عند الله . وأن إجماع الأمة حق . ومن هذا القبيل أيضا : أن يخبر مخبر بشئ من الأشياء يحيله على قصة مشهورة ، وقد شهدها جماعة كثيرة ، فيخبر بذلك بحضرة هذه الجماعة ، فيبلغ ذلك الجماعة : فلا تنكره ( 1 ) فيدل ذلك من فعل الجماعة على أنهم عالمون بصحة ما أخبر به ، إذ غير جائز من مثلهم على ما جرت به العادة ، وامتحناه من أحوال الناس : ترك النكير على مثله ، إذا لم يعرفوا ذلك من خبره ، وهو في هذا الباب يجري مجرى كتمان الأمور العظام ، والأعاجيب الحادثة في أنه غير جائز على مثل هذه الجماعة كتمانها ، فكذلك ترك النكير ( 2 ) غير جائز من مثلهم ، فبما وصفنا سواء كان في ذلك نفع لهم أو لم يكن . ألا ترى : أن رجلا لو قال في محفل عظيم ، بحضرة قوم مختلفي الهمم والآراء : إن النبي عليه السلام قد كان من معجزاته : أن سارت معه الجبال ، وأنه كان يخلق من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، كما جعله الله معجزة المسيح ، وأنه دعا على قوم فمسخهم الله قردة وخنازير ، وأراد بذلك تأكيد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم : أنه يمتنع في العادة على