الجصاص
50
الفصول في الأصول
وقد قال بعض أهل العلم : إن مما يعلم صحته من الأخبار من جهة ، ما لا يجوز فيه اتفاق الجماعة الكثيرة على اختراع الكذب فيه ، كإخبار أهل بلد بخبر كل واحد عن نفسه : أنه يعتقد الإسلام ، وكإخبار جماعة كثيرة بخبر كل عن نفسه : أنه يعتقد النصرانية ، فإن هذا ونحوه ( إذا أدلى ) ( 1 ) المخبرون به فصاروا بحيث لا يتفق منهم كتمان خلاف ما أظهروه ، دل ذلك على اشتمال خبرهم على جماعة قد صدقوا فيما أخبروا به عن أنفسهم . ومن نحو ذلك ما روته الرواة من أخبار الآحاد ، كل يخبر بخبر غير ما يخبر به الآخر ، فعلم أن جماعتهم غير كاذبة ، وكل شئ أخبر به كل واحد منهم ، ونعلم أن هذه الجماعة قد اشتملت فيما أخبرت به على صدق ، وإن لم يتميز لنا صدق الصادق منهم من غيره ، فهذا ضرب من التواتر الذي يعلم مخبره بالاستدلال ، ولم يجد أصحابنا فيمن يتواتر بهم الخبر عددا . وكذلك قال عيسى بن أبان في ذلك ، وذكر أنه إذا نقله قوم مختلفو ( 2 ) الآراء والهمم ، لا يجوز على مثلهم التواطؤ فهو تواتر . وقد قال قوم من أهل العلم : إنا قد تيقنا : أن خبر الأربعة لا يوجب العلم بحال إذا لم تقم دلالة أخرى من غير الخبر على صدقهم ، وذلك لأن الله تعالى تعبدنا في أربعة شهداء على رجل بالزنا ، أنا متى حكمنا بشهادتهم أن لا نقطع على غيبهم ، وأن يجوز عليهم الكذب ، إذ الغلط والسهو في شهادتهم ، وأن يكل أمرهم في مغيب شهادتهم إلى الله تعالى ، وإن أمضيا الحكم بها . قالوا : وهذا حكم عام في سائر الشهادات ، فغير جائز أن يجمع علينا التعبد بما وصفنا ، مع وقوع العلم بصحة خبرهم ، لأن ذلك يتضاد ويتنافى . فدل ذلك على أن خبر الأربعة لا يوجب العلم بحال ، وما زاد على هذا خبرهم من الأحوال المقارنة له ، حتى إذا كثر العدد في قوم مختلفي الآراء والهمم لا يجوز وقوع التواطؤ منهم ، أوجب العلم بصحة خبرهم لا محالة . قال أبو بكر رحمه الله : وهدانا على خلاف ما قالوا ، وذلك : أن الشهود الذين يشهدون بالزنا : شرط صحة شهادتهم أن يحضروا مجتمعين ، ويكونوا متشاعرين ، يجوز على مثلهم التواطؤ ، فلذلك لم يقع العلم بخبرهم ، ولو كانوا عشرة أو عشرين جاءوا مجتمعين