الجصاص
47
الفصول في الأصول
والوجه الآخر : أنه لو كان حكم الكثير في هذا كحكم القليل ، لوجب إذا جاز من كل واحد منا أن يتكلم بحرف من حروف المعجم ، وتكلمه من عرض الكلام ، أن يجوز منه إن أتى بمثل القرآن في نظمه وترتيبه ، إن كان يمكنه أن يتكلم بكل حرف منه على الانفراد ، لوجب أن يكون المعجم الذي يمكنه أن يتكلم بكل كلمة مما في شعر امرئ القيس ، فيخترعه وينتبه مبتدئا به . أن نجوز منه إنشاء ( 1 ) قصائد مثل قصائد امرئ القيس ، في وزنها وألفاظها ونظمها ، وكان يجب أن يكون الواحد إذا أخبر عن شئ واحد على جهة التظني والحسبان ، فيصادف وجود مخبره على ما أخبر به ، أن يجوز منه أن يظن كل شئ يخطر بباله ويتوهمه ، فيخبر به ، ثم يتفق أن يصادف في جميع ذلك وقوع مخبره ، وقد علم بطلان ذلك ضرورة ، فكذلك كل واحد منا إذا جاز عليه الكذب في خبره إذا انفرد به فغير جائز وقع ذلك من الجماعات الكثيرة ، التي لا يجوز عليها التواطؤ في خبرها . قال أبو بكر : ومن الناس من يقول : إن العلم بصحة الأخبار المتواترة التي ذكرنا اكتساب ، وليس بعلم اضطرار . والدليل على أن العلم : بما قدمنا وصفه من الأخبار اضطراريا استواء ( 2 ) حال المميز وغير المميز في العلم ، كالصبيان ونحوهم ، لأنا نعلم من أنفسنا أنا كنا نعلم في حال صبانا بكون أجدادنا وأوائلنا كعلمنا الآن بهم . وأيضا : فلو كان العلم بالاكتساب لجاز لبعضنا أن لا يكتسبه ( ولا يستدل ) ( 3 ) عليه ، فلا يعلم بصحته ، لأن ما كان طريق العلم به الاستدلال ( لا يعرفه ) ( 4 ) من لا يستدل . وأيضا : فلو كان العلم به اكتسابا ، لجاز وقوع الاختلاف فيه ، ولجاز وجود الشك فيه مع سماع هذه الأخبار كسائر العلوم المكتسبة ، فلما بطل ذلك ، وكان المنكر لبعض ما ذكرنا كالمنكر لبعض ما يذكره بحاسته ، علمنا أن العلم بما وصفنا اضطرار . قال أبو بكر : فهذا الذي ذكرنا جملة كافية ، تثبت التواتر الذي نعلم صحته ( 5 ) اضطرار .