الجصاص
391
الفصول في الأصول
لأنه لم يثبت حظره ، إذ كان الله تعالى قد أباح النكاح على الإطلاق بقوله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) ( 1 ) فمن ادعى حظر شئ منه ، ( 2 ) وإخراجه من العموم ، احتاج إلى دلالة ، وإلا فأنا معتصم بالظاهر ، ولا يجوز أن يقول : لأنه لم يثبت حظره ، ويقتصر ( 3 ) عليه ، لأن خصمه يقول ( له ) ( 4 ) : فدل على إباحته . فتساويا جميعا فيه ، ويحتاج المسؤول حينئذ إلى إقامة الدلالة عليه . فهذا وما أشبهه مما يصح للقائل فيه بالنفي أو الإثبات أن يقول : إنه لم يثبت فساده ، أو لأنه ثبتت صحته إذا علقه بأصل يقتضي ذلك ، على ما بينا ، ويكون الأصل الذي بناه عليه ، هو دلالته على نفي ما نفاه ، وإثبات ما أثبته . ( 5 ) ( و ) من رام الخروج عن ذلك الأصل ، احتاج إلى دلالة في خروجه عنه ، ومن اعتصم بالأصل لا يحتاج إلى دلالة أكثر من تعلقه به . قال أبو بكر : ومما يضاهي هذا المعنى وإن لم يكن هو بعينه : إثبات المقادير التي لا سبيل إلى إثباتها من طريق المقاييس والاجتهاد ، وإنما طريق إثباتها التوقيف والاتفاق ، فجائز عند وقوع الخلاف لمن أثبت مقدارا قد دخل في اتفاق الجميع ، أن يقول : أثبتنا هذا القدر بالاتفاق ، ولم تقم الدلائل ( 6 ) على إثبات ما سواه مما اختلفوا فيه ، إذا لم يجد فيه توقيفا ، ولا اتفاقا ، ولا سبيل إلى إثباته من طريق القياس والرأي . نظير ذلك : أنا إذا قلنا : إن أقل الحيض ثلاثة أيام ، وأكثره عشرة . ( فقيل لنا لم قلتم إنه لا يكون أقل من ثلاثة ، ولا أكثر من عشرة ؟ ) ( 7 ) جاز لنا أن نعتصم فيه بموضع الاتفاق ، على أن هذين المقدارين يكونان حيضا .