الجصاص

373

الفصول في الأصول

لنفسها ، وهو إنما ( يسأل عن ) ( 1 ) التقليد لم قلت : إنه حجة . فإن قال : هذا يرجع عليك في قولك بحجج القول ، لأنا نقول لك : أثبت حجة العقل بالعقل أو بغيره . فإن قلت : أثبتها بغير العقل ، قلنا لك : فأظهره . وإن قلت : أثبتها بالعقل ، ففي هذا نوزعت ، وإنما جعلت ( 2 ) المسألة دليلا لنفسها . قيل له : أول ما في هذا : أن اعتراضك به احتجاج من جهة العقل ، ومناظرة منك في إفساد المذهب ، وفي ذلك إثبات منك لحجة العقل ، فأنت من حيث أردت نفيها أثبتها ، وناقضت في قولك ، على أنا نجيبك إلى سؤالك ، وإن لم يلزمنا لك بحق النظر . فنقول : إنا أثبتنا دلائل العقول بالعقل ، لأن مما يدل عليه ( 3 ) العقل : ظاهر جلي لا يرتاب به أحد ، ولا يشك فيه . ومنه غامض خفي ، فوصلنا إلى علم ( 4 ) الخفي منه بالجلي ، ويحتاج في إثبات الخفي من أحكام العقول إلى نظر وتأمل ، وعرضه على الجلي في إثبات حكمه . ( 5 ) فما صححه صح ، وما نفاه انتفى ، كما نقول في المحسوبات : إنا أثبتنا علومها بالحس ، وإن احتجنا في الوصول إلى استعمال آلة الحس . ألا ترى : أن من بين يديه طعام ، لا يدري حلو هو أم حامض : أنه لا يكتفي بوجود آلة الحس فيه دون ذوقه ، حتى يعرف طعمه . كذلك العلوم العقلية : منها ما هو جلي ، يعتبر به الخفي منه ، ويتوصل إلى معرفته باستعماله . ويقال له ( 6 ) في النظر وموجب القول بالتقليد : خبرنا عن قولك بوجوب التقليد ، هو مذهب قد علمت صحته ، أو لم تعلمها . فإن قال : لا أعلم صحته ، فقد قضى على اعتقاده ( 7 ) بالفساد ، لأن أحدا لا يجوز له