الجصاص

370

الفصول في الأصول

والخفي منها : قد يعرض فيه شبهة يتبعها الناظر ، فيذهب عن وجه الصواب ، وأكثر ما يعرض هذا لمن نظر في الفروغ قبل إحكام الأصول ، أو لا ينظر في شئ من وجه النظر . ألا ترى : أن أحدا لا يعتر يه الشك ولا تعرض له شبهة : في أن القولين المتضادين لا يخلوان من أن يكونا فاسدين ، أو يكون أحدهما صحيحا والآخر فاسدا ، لأنه ( 1 ) لا يصح له الاعتقاد لصحتهما جميعا ، كنحو قول القائل : زيد في الدار ( في هذه الساعة ) . ( 2 ) وقال آخر : ليس هو في هذه الدار ( في هذه الساعة ) ( 3 ) إنهما جميعا لا يجوز أن يكونا صادقين ، وجائز أن يكونا كاذبين ، وجائز أن يكون أحدهما صادقا والآخر كاذبا ، وهذا التقسيم وما يجوز فيه مما لا يجوز طريقه العقل . وسائر العقلاء لا يشتركون في العلم بأن حكم هذا الخبر واقع في أحد هذه الأوصاف ، ومن نفى هذا فهو كنافي علوم الحس والمشاهدات . وقد يكون في المحسوسات ما يدق ويلطف ، فيحتاج في صحة وقوع العلم إلى ضرب من التأمل ، كالشخص إذا رأيناه من بعيد ، وكالهلال إذا طلبناه ، فربما اشتبه ، وربما كان إدراكه بعد التأمل والتحديق الشديد ، وكذلك علوم العقل : فيها جلى ، وفيها خفي . ويبين ( 4 ) بما ذكرنا أيضا : أن العلم يفرق ما بين البهيمة وبين الإنسان العاقل المميز ، كالعلم بوجود الأشياء المحسوسات ، وكالعلم بفرق ما بين الحيوان والجمادات . ولو لم يكن للعقل حظ في التمييز بين هذه الأشياء التي ( 5 ) سبيل إدراكها العقل ( لكان الإنسان والبهيمة ) ( 6 ) بمثابة واحدة ، فكأن الإنسان لا يعلم إلا ما تعلمه البهيمة إذا كانت علومه مقصورة على ما تؤديه إليه حواسه . وتبين : أن استعمال حجج العقول ضرورة ( 7 ) إذ كل ( 8 ) من نفاها فإنما ينفيها بحجج