الجصاص

37

الفصول في الأصول

دلائل على ما انتحلوه من النبوة ، فلم يأتوا بشئ منها ، فبان كذبهم ، وانكشف بطلان دعواهم . قال : ومن هذا القبيل قول قائل : رأيت رجالا خلقوا من غير نسل ، ورأيت دارا وجدت من غير بان بناها ، ورأيت الناس تفانوا بالقتل يوم عرفة بعرفات ، فلم يبق منهم مخبر ، ثم لا يخبر أحد ممن جاء من مكة بمثل خبره ، فهذا أيضا من الكذب الذي لا ريب فيه . قال : فأما ما يجوز الصدق والكذب ، فخبر الواحد والجماعة التي لا يتواتر بها الخبر ، ويجوز عليها التواطؤ ، فيجوز في خبرهم الصدق والكذب ، فمن كان ظاهره العدالة ونفى التهمة ، فخبره مقبول في الأحكام ، على شرائط نذكرها ، من غير شهادة منا بصدقه ، ولا القطع على عينه . ومن كان ظاهره الفسق والتهمة بالكذب فخبره غير مقبول . قال أبو بكر : قصد عيسى إلى ذكر تقسيم الأخبار وما تقتضيه من الحكم بمخبرها دون الخبر الذي يقارنه ، دلالة تدل على صدقه ، وسنفصلها باستيفائنا لجميع أقسامها فنقول وبالله التوفيق : إن الأخبار على ضربين : متواتر ، وغير متواتر . فالمتواتر ما تنقله جماعة لكثرة عددها لا يجوز عليهم في مثل صفتهم الاتفاق والتواطؤ في مجرى العادة على اختراع خبر لا أصل له ، فيما نبينه بعد . وغير المتواتر : ما ينقله واحد وجماعة ، يجوز على مثلهم التواطؤ والاتفاق على نقله . فأما المتواتر : فعلى ضربين : ضرب يعلم بخبره باضطرار ، من غير نظر ولا استدلال ، لما يقارنه من الدلائل الموجبة للعلم بصحته . وضرب منه لا يوجب العلم . وما لا يوجب العلم منه على ضربين . أحدهما : يوجب العلم . والآخر : لا يوجبه ، وسنبين القول من وجوهه ، بعد فراغنا من ذكر أقسام المتواتر ، وما يوجب العلم من الأخبار بصحة مخبرها . الكلام على من حكينا أقاويلهم في الباب الأول قال : الذين دفعوا وقوع العلم بصحة شئ من الأخبار فليس طريق الحجاج عليهم