الجصاص
362
الفصول في الأصول
الصحابي حجة ، يترك له القياس ، إذا لم يعلم عن أحد من نظرائه خلافه ، قال : وكان يحتج فيه بأن قياس الصحابي أرجح من قياسنا وأقوى ، لعلمهم بأحوال المنصوصات بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان بمنزلة خبر الواحد عن النبي عليه السلام في كونه مقدما على القياس مع عدم العلم بوقوع مخبره . كذلك اجتهاد الصحابي لما كان أقوى من اجتهادنا - وجب أن يكون مقدما على رأينا . قال : وأيضا فإنه جايز أن يكون قاله نصا وتوقيفا ، وجايز أن يقوله اجتهادا ، فصار له هذه المزية في لزوم تقليده ، وترك قولنا ( 1 ) لقوله . قال أبو بكر : وقد قال أبو حنيفة : إن من كان من أهل الاجتهاد فله تقليد غيره من العلماء ، وترك رأيه ( 2 ) لقوله ، وإن شاء أمضى اجتهاد نفسه ( وروى داود بن رشيد ( 3 ) ، عن محمد مثل قول أبي حنيفة ، ( 4 ) ، ( 5 ) وقال محمد : ليس لمن كان من أهل الاجتهاد تقليد غيره ، وكان أبو الحسن يقول : إن قول أبي يوسف في ذلك كقول محمد ، وكان يحتج لمذهب أبي حنيفة في هذه المسألة : بأن هذا عنده ضرب من الاجتهاد ، لأنه جائز ( 6 ) عنده أن من يقلده ( 7 ) أعلم وأعرف بوجوه القياس وطرق الاجتهاد منه ، فيكون تقليده إياه ضربا من الاجتهاد ، يوجب أن يكون اجتهاد من قلده أقوى وأوثق في نفسه من اجتهاده . قال أبو بكر : وهذا يقوي ما حكيناه : من حجاج أبي سعيد في تقليد الصحابي ، ويكون لتقديم قياس الصحابي واجتهاده على اجتهادنا فضل مزية بمشاهدته للرسول صلى الله عليه وسلم ، ومعرفته ( 8 ) بأحوال النصوص ، وما نزلت فيه ، وعلمه بتصاريف الكلام ، ووجوه الخطاب ،