الجصاص
342
الفصول في الأصول
ألا ترى : أنهم لو اختلفوا ، ثم أجمعوا ( 1 ) على قول كان إجماعهم قاطعا لاختلافهم بدأ ، وكان بمنزلة ما لم يتقدمه اختلاف ، وكثير من الإجماعات إنما حصلت على هذا الوجه ، ألا ترى : أنهم قد كانوا ( 2 ) اختلفوا بعد وفاة النبي عليه السلام في أمر الإمامة ، فقالت الأنصار : ( منا أمير ومنكم أمير ) ( 3 ) ، ثم أجمعوا على بيعه أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فانحسم ذلك الخلاف ، وصح الإجماع ، وكذلك اختلفوا في قتال أهل الردة ، ثم أجمعوا على قتالهم ، فكان ( 4 ) إجماعهم بعد الاختلاف قاطعا للخلاف السابق له . وكذلك اختلفوا في وجوب قسمة السواد ، ثم أجمعوا على ترك قسمته ، فكان إجماعا صحيحا ، لم يكن لأحد بعدهم مخالفته . قال أبو بكر : وهذا الذي ذكرنا : إنما يلزم من يقول : إن إجماعهم بعد الاختلاف يقطع الاختلاف ، لأنه زعم ( 5 ) أن الإجماع إنما يثبت حكمه بانقراض أهل العصر ، فأما من لا يعتبر انقراض أهل العصر في صحة وقوع الإجماع ، فإنه يأبى أيضا أن يجعل إجماعهم بعد اختلافهم إجماعا صحيحا يلزم حجته ، للعلة التي ذكرناها عنهم من انعقاد إجماعهم على تسويغ الاجتهاد فيه ، فلا ينعقد ( 6 ) هذا الإجماع عندهم باتفاقهم على قول واحد من تلك الأقاويل ، وقد قلنا : إن انعقاد إجماعهم على تسويغ الاجتهاد وجواز الاختلاف مضمن بعدم الإجماع ، وهو كما تقول في المجتهد : إنه مأمور بإمضاء ما يؤديه إليه اجتهاده ( بعد ذلك ) ، ( 7 ) وكان ما لزمه من ذلك مضمنا ببقاء الاجتهاد الأول ، فإن أداه اجتهاده بعد ذلك إلى قول آخر ، حرم عليه الحكم بالقول الأول ، ، فكانت صحة القول الأول ولزوم حكمه موقوفا على بقاء الاجتهاد المؤدي إلى القول به ، وكذلك نقول : إن تسويغ الاجتهاد في المسألة التي اختلفوا فيها موقوف على عدم وقوع الإجماع على بعض تلك الأقاويل ، فمتى