الجصاص
303
الفصول في الأصول
فصل من هذا الباب : واختلف أهل العلم في هذا الباب من وجه آخر . فقال قائلون : إذا ظهر القول من جماعة كبيرة ، أو من واحد ( 1 ) أو اثنين من أهل العصر وانتشر واستفاض في عامة أهل العلم ، ولم يظهر من واحد منهم خلاف للقائل به - فهو إجماع صحيح . وقال آخرون : لا يكون هذا إجماعا حتى يكون القائلون به الجمهور الأعظم ، ويكون الذي لم يظهر خلافه عدد قليل ، فأما إذا كان القائلون نفرا يسيرا ، والساكتون الجمع الكثير ، فليس ينعقد بهذا إجماع ، وإن تركت الجماعة إظهار الخلاف . قال أبو بكر : أما إذا كان القائلون به الجمع الكثير والساكتون نفرا يسيرا : هذا إجماع صحيح إذا لم يظهروا مخالفة الجماعة بعد انتشار المقالة وظهورها . والدليل على صحته : ما قدمنا من أن الإجماع لا يخلو من أن تكون صحته موقوفة على معرفة قول كل واحد بعينه من أهل العصر ممن يعتد بقوله في هذا الباب ، أو أن يكون شرطه ظهور قول الجماعة القائلة به ، وانتشاره في الباقين من غير إظهار منهم عليهم خلافا ، ومحال أن يكون شرط الإجماع وجودا القول من كل واحد من أهل العصر بعينة ، لأن ذلك لا يوصل إليه ، وفي وجوب اعتباره بطلان حجة الإجماع الذي قد حكم الله تعالى بصحته ، ولزوم حجته ، ويمتنع أن يحكم الله تعالى بصحة الإجماع ويأمرنا بلزومه ( واعتباره ) ( 2 ) ثم لا يوصل إليه ، ولا يوقف عليه بوجه . فلما بطل هذا الوجه صح الثاني ، وهو : أن شرطه ظهور القول في الجماعة التي يعتد بإجماعهم . ثم لا يظهر منهم خلاف على القائلين ، وأما إذا كان القائل واحدا أو اثنين ونفرا يسيرا ، وانتشر قولهم في الجماعة ، لأنهم لو كانوا معتقدين لخلافهم لما جاز أن تتفق هممهم على كتمانه وترك إظهاره ، إذ ليس هناك مانع يمنعهم من إظهار قولهم ومعلوم : أن عادات الناس وتعارفهم ، أن مثلهم لا يجوز أن تتفق هممهم وخواطرهم على كتمان خلاف هم معتقدون له من غير سبب يمنعهم من إظهاره . فهذا يدل : على أن سكوتهم بعد انتشار المقالة وظهورها فيهم ( 3 ) موافقة منهم للقائلين .