الجصاص

24

الفصول في الأصول

إلى قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 1 ) فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به ، فسجدها داود عليه السلام ، وسجدها محمد صل الله عليه وسلم ( 2 ) فإن قال قائل : ليس فيما دللت ( 3 ) من هذه الآيات دلالة على ما ذكرت من وجوه . أحدها : قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى ( 4 ) الله فبهداهم اقتده ) راجع إلى ما تقدم ذكره ممن الاستدلال على التوحيد ، لأنه تعالى قد ذكر استدلال إبراهيم صلوات الله عليه على التوحيد لقوله تعالى : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ) ( 5 ) ثم قال تعالى في سياق الخطاب : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) ( 6 ) ثم ساق القصة إلى قوله تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) ( 7 ) يعني في الاستدلال على الله تعالى ، واستعمال النظر المؤدي إلى معرفته ، فلا دلالة فيه إذا على لزوم الاقتداء به في غيره من شرائع مثله ، التي يجوز أن يختلف أحكام الأمم فيها . ومن جهة أخرى : أنه ذكر آباءهم وذرياتهم وإخوانهم ، ولم يكونوا كلهم أنبياء ذوي شرائع ، وقد أمر باقتدائهم ، فدل على أن المراد ما تساوى الجميع في تكليفه : من التوحيد ، وتصديق الرسل عليهم السلام ، ونحوه ، من موجبات أحكام العقول . ووجه آخر : أن شرائعهم كانت مختلفة ، وغير جائز أن يأمره بالاقتداء بهم في شرائعهم مع اختلافها ، لاستحالة التكليف بها على هذا الوجه ، فثبت أن الاقتداء مقصور على ما لا يصح الاختلاف فيه في الأزمان . ومن جهة أخرى : لا يمتنع أن يكون قد كان في شريعة كل نبي منهم الناسخ والمنسوخ ، ومعلوم أنه لا يصح تكليف الحكم الناسخ والمنسوخ معا ، فعلم أن المراد ما لا يجوز نسخه وتبديله مما في العقول إيجابه ، وقد قال تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة