الجصاص

236

الفصول في الأصول

قال أبو بكر : وأحكام السنة على ثلاثة أنحاء : فرض ، وواجب ، وندب ، وليس يكاد يطلق على المباح لفظ السنة ، لأنا قد بينا : أن معنى السنة : أن يفعل ، أو يقول ، ليقتدى به فيه ، ويداوم عليه ، ويستحق به الثواب ، وذلك معدوم في قسم المباح . ( 1 ) فأما الفرض : فهو ما كان في أعلا مراتب الإيجاب ، والواجب دون الفرض ، ألا ترى أنا نقول : الوتر واجب ، وليس بفرض ، وصلاة العيد واجبة ، وليست بفرض ، وقال عليه السلام ، غسل الجمعة واجب على كل محتلم ، ولم يرد به الفرض ، ولا يجوز لنا أن نقول : يدل على أنه فرض على كل محتلم ، ويدل أن ( 2 ) معنى الفرض قد يخالف معنى الواجب : أنه قد يمتنع إطلاق الفرض فيما لا يمتنع فيه إطلاق الواجب ، لأنا نطلق أنه يجب على الله تعالى من جهة الحكمة مجازاة المحسنين ، ولا نقول إن ذلك فرض عليه . وقد قيل : إن معنى الفرض في الأصل : هو الأثر الحاصل بالجزاء الواقع في السنة ونحوها فشبه ما لزم وثبت بذلك الأثر ، والوجوب في الأصل هو السقوط ، قال الله تعالى : ( فإذا وجبت جنوبها ) يعني سقطت ، ويقال : وجبت الشمس إذا سقطت . وقال الشاعر : حتى كان أول واجب . . . يعني ساقط ، فجعل ما لزم في الشرع بمنزلة الشئ الذي سقط ، ويثبت في الموضوع ، فكان معنى الفرض أثبت منه ، لأن هناك أثرا لا يزول ، والساقط في الموضوع فقد زال عن الموضوع من غير تأثير يحصل فيه ، فلما كان الفرض في موضوع اللغة أثبت من الوجوب ، كان كذلك حكمه في الشرع ، فمن أجل ذلك قلنا : إن الفرض هو ما كان في أعلا مراتب اللزوم ، والثبوت . والفرض ، أيضا التقدير . منه : فرائض المواريث ، وفرائض الإبل في الصدقات . ويجوز أن يكون الفرض الذي هو اللزوم من هذا أيضا ، كأنه قدر له شئ منع تركه ، ومجاوزته ، إلى غيره . ( 3 )