الجصاص

232

الفصول في الأصول

ومن أفعاله ما يقارنه أمر منه بالاقتداء به ، فيكون ظاهره لزوم فعله لنا ، حتى تقوم الدلالة على غيره ، كقوله عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ) وكقوله ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وقوله : ( أقيموني وليأتم بكم من بعدكم ) فيقتضي هذا القول لزوم الاقتداء به في سائر أفعال المناسك ، وأفعال الصلاة ، ويجوز أن يقال في قوله ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) أن لا يصح الاستدلال به في وجوب أفعاله فيها ، لأنه أمرنا بالاقتداء به على وصف ، وهو : أن نصلي كما رأيناه صلى ، فنحتاج أن نعلم كيف صلى : من ندب ، أو فرض ، فعليه مثله ، وما فعله النبي عليه السلام مما يحتاج إليه كل أحد في نفسه ولا يستغني عنه في العادة : من نحو الأكل ، والشرب ، والقيام ، والعقود ، والنوم ، ونحو ما روى أنه ( كان إذا دخل بيته يخصف النعل ، ويخيط الثوب ) فإن ذلك ليس على الوجوب ، لأنا قد علمنا أنه لم يكن ينفك من هذه الأفعال ، والحاجة إلى فعلها ضرورة لكل واحد ، ومع ذلك فلا سبيل لأحد إلى الاقتداء به فيها ، لاستحالة لزومه في سائر أحواله ، وخصف النعل ، وخياطة الثوب ، قد علم بظاهر فعله أنه لم يرد به إيجابه علينا . وجائز أن يكون فعله يرد لمثل هذه الأشياء قربة ، من جهة ما قصد به من التواضع ، وترك الكبر ، ومساواة أهل البيت ، ليستحق به الثواب على الله تعالى ، وليقتدي به غيره فيه .