الجصاص

222

الفصول في الأصول

وبين ما لو قال : ما نهى عنه فانتهوا عنه وبين ما لو قال : ما نهى عنه فانتهوا عنه . فيقال له : هذا غلط ، لأن قوله : ( ما آتاكم ) لا يجوز أن يكون في معنى قوله : ما أتى به فخذوه ، بقصر الألف ، لأن قوله : ( ما آتاكم ) بمعنى ما أعطاكم ، وذلك يقتضي خطابنا به ، وإرادته منا ، وما فعله في نفسه فغير جائز أن يقال : إنه قد أتانا في نفسه أفعالا لا يريدها منا . وأما قوله : وما نهاكم عنه ، فإن النهي لا يكون إلا خطابا لنا ، وذلك في مضمون اللفظ ، فلا فرق بين قوله ( وما نهاكم عنه ) وبين قوله لو قال : ما نهانا عنه ، يبين لكم ذلك أنه إذا قيل : أتى فلان كذا : أنه لا يتعدى إلى غيره ، وإنما يكون فعلا فعله في نفسه ، وإذا قيل : آتي كذا فلا بد من أن يتعدى إلى غيره ، ينبغي إعطاء ، فيقتضي معطيا ، فاقتضت الآية فيما وصفنا خطاب الغير به ، وأما فعل يفعله في نفسه فلا يجوز إطلاق ذلك فيه . فإن قيل : لما خلع النبي عليه السلام نعله في الصلاة خلع القوم نعالهم ، فدل : على أنهم كانوا معتقدين للوجوب في أفعال النبي عليه السلام . قيل له : هذه دعوى غير مقرونة بدلالة ، من أين لكم أنهم كانوا يعتقدون فيه الوجوب ؟ دون أن يكونوا فعلوه على وجه الندب ؟ وهذا الخبر : يدل على أنه لم يكن يجوز اعتقاد الوجوب في أفعال النبي عليه السلام ، وذلك لأن النبي عليه السلام لما سلم قال لهم : ( لم خلعتم نعالكم ؟ فقالوا : رأيناك خلعت فخلعنا . فقال : إن جبريل أخبرني أن في نعلي قذرا ) ( 1 ) فلو كان جائزا لهم اعتقاد الوجوب فيه - لما كان أنكر عليهم خلعها في الصلاة . فإن قيل : لما روى : أن النبي عليه السلام ( صلى في شهر رمضان ليلة ، أو ليلتين ، ثم لم يخرج حتى اجتمعوا بعد ذلك ، فلما أصبح قال لهم : خشيت أن تكتب عليكم ) ، ( 2 ) فدل على : أن مداومته على فعل الشئ موجب للتأسي به فيه ، لولاه لم يكن لقوله : خشيت أن تكتب عليكم معنى . قيل له : هذا من أدل الدلائل على نفي الوجوب من وجهين .