الجصاص
218
الفصول في الأصول
فإن قيل : الدليل على وجوبه قوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ان تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) ( 1 ) والفعل يجوز أن يتناوله لفظ الأمر ، لأن الأمر يجوز أن يكون عبارة عن شأنه وطريقته . كما قال تعالى ( وما أمر فرعون برشيد ) ( 2 ) وقال تعالى ( وأمرهم شورى بينهم ) ( 3 ) وقال تعالى ( قل إن الأمر كله لله ) وإذا كان ذلك كذلك تضمن قوله تعالى ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) . ( 4 ) النهي عن مخالفته : في شأنه ، وطريقته ، وأفعاله ، وأحواله ( 5 ) فيه . قيل له : أول ما في هذا : أن إطلاق لفظ الأمر إنما يتناول الأمر الذي هو قول القائل : افعل ، ولا يتناول غيره ، إلا على وجه المجاز . والدليل على أن اسم الأمر ينتفي عن هذا القول ، إذا أريد به إلزام الفعل بحال ، وينتفى لفظ الأمر عن الفعل بأن يقال : الفعل ليس بأمر على الحقيقة . ألا ترى : أنه يجوز أن يفصل بينهما في اللفظ ، ويعطف أحدهما على الآخر ، فيقول : فعل النبي عليه السلام ، وأمره صلى الله عليه وسلم ، ولو كان الفعل أمرا على الحقيقة - لجاز أن يقال : لكل فعل أمر ، ولجاز أن يقال : إن صلاتنا أمر ، وقعودنا ، وأكلنا ، وشربنا ، أمر . ويدل على هذا : أن اللفظ الذي في مقابلة الأمر - وهو النهي - إنما يكون قولا لا فعلا ، فكذلك ضده ، وما في مقابلته ينبغي أن يكون قولا . وأيضا : فلو صح أن لفظ الأمر يتناول الفعل لما كان في الآية دلالة على ما ذكرت ، لأن الضمير الذي في قوله تعالى : ( عن أمره ) راجع إلى الله تعالى ، دون النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن ( 6 ) حكم الكناية اسم الله تعالى ، لأنه قال : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو إذا ) ( 7 ) وقال :