الجصاص

153

الفصول في الأصول

وأيضا : فإن سامع الخبر يجوز له الإخبار به عن راويه ، وإن لم يقل له الراوي : اروه عني ، ومن سمع رجلا يقول : أشهد لفلان على فلان بكذا ، لم يجز له أن يشهد على شهادته حتى يقول له : اشهد على شهادتي بذلك ، فيحملها إياه ( 1 ) فعلمت بطلان اعتبار الإخبار بالشهادة على الشهادة من هذا الوجه . وأيضا : فإن الشاهد إنما يشهد على شهادة من كان من أهل عصره ، وقد يمكن الحاكم : أن يتوصل إلى معرفة حال المشهود على شهادته بالمسألة عنه . فلم يجز له الحكم بشهادة شهود الأصل إلا بعد المعرفة بهم ، وثبوت عدالته عندهم . وأما المتقدمون من الرواة فلا سبيل لنا إلى العلم بحالهم إلا من جهة الناقلين عنهم ، فكان نقلهم وإرسالهم الحديث عنهم تعديلا منهم إياهم . أيضا : فإن الشهود إذا رجعوا إلى شهادتهم بعد حكم الحاكم ، يلحقهم ضمان ما أتلفوه بشهادتهم . فمن الفقهاء من لا يوجب ضمانا على شهود الأصل وإن رجعوا . ومنهم : من يوجبه عليهم . فاحتاج الحاكم إلى : أن يعرفهم بأعيانهم ، لكي إذا رجعوا لزمهم حكم ما يوجبه إشهادهم غيرهم على شهادتهم ، وليس ذلك موجودا في الأخبار ، فلم يحتج إلى معرفة المنقول عنهم ذلك بأعيانهم ، إن كانت رواية الأئمة عنهم تعديلا منهم لهم ، وهذا هو الذي يحتاج إليه في قبول الأخبار . دليل آخر : وهو اتفاق . قد اتفق الفقهاء على : قبول فلان عن فلان ، وإن لم يذكر سماعا ، إذا كان ممن قد لقيه ، ولو كان المرسل غير مقبول - لما جاز : قبول فلان عن فلان ، إذ ليس فيه سماع له . فإن قيل : لأن الظاهر : أن من روى عمن لقيه : أنه سماع حتى يثبت غيره . قيل له : ولم قلت ذلك ؟ بل الظاهر : أنه يروى عنه سماعا تارة ، ويرويه تارة سماعا من غيره عنه . وأيضا : فإن الظاهر : أنه لم يرسل الحديث إلا عن عدل حتى ( 2 ) يثبت غيره . فإن قيل : يحتاج أن يثبت : أنه عدل عندي . قيل له : ويحتاج : أن يثبت عندي : أنه سماع ، إذا قال فلان عن فلان ، وإن لم يثبت