الجصاص

122

الفصول في الأصول

خبر يضاده حجة للعقل فهو فاسد غير مقبول . وحجة العقل ثابتة صحيحة ، إلا أن يكون الخبر محتملا لوجه لا يخالف به أحكام العقول ، فيكون محمولا على ذلك الوجه . قال أبو بكر رحمه الله : قد حكيت جملة ما ذكره عيسى في هذا المعنى ، وهو عندي مذهب أصحابنا ، وعليه تدل أصولهم ، وإنما قصد عيسى رحمه الله فيما ذكره إلى بيان حكم الأخبار الواردة في الحظر ، أو الإيجاب ، أو في الإباحة ، ما قد ثبت حظره بالأصول التي ذكرها ، أو حظر ما ثبت إباحته ، مما كان هذا وصفه ، فحكمه جار على المنهاج الذي ذكرناه في القبول ، أو الرد . وأما الأخبار الواردة في تبقية الشئ على إباحة الأصل ، أو نفي حكم لم يكن واجبا في الأصل ، أو في استحباب فعل ، أو تفضيل بعض القرب على بعض ، فإن هذا عندنا خارج عن الاعتبار الذي قدمنا ، وذلك لأنه ليس على النبي عليه السلام بيان كل شئ مباح ، ولا توقيف الناس عليه بنص يذكره ، بل جائز له ترك الناس فيه على ما كان عليه حال الشئ من الإباحة قبل ورود الشرع . وكذلك ليس عليه تبيين منازل القرب ومراتبها بعد إقامة الدلالة لنا على كونها قربا ، كما أنه ليس عليه أن يبين لنا مقادير ثواب الأعمال ، فلذلك جاز ورود خبر خاص فيما كان هذا وصفه ، وتوقيفه بعض الناس عليه دون جماعتهم ، حسب ما يتفق من سؤال السائل عنه ، أو وجود سبب يوجب ذكره ، فيعرفه خواص من الناس ، وينقلوه دون كافتهم . ومن نحو ما قلنا في ورود خبر خاص فيما تركوا فيه على الأصل : حديث نفي الوضوء من كل ما لا يوجب حدوثه الوضوء ، من نحو خروج اللبن ، والدمع ، والعرق ، من بدن الإنسان . وأما الوضوء من مس الذكر فلو كان ثابتا ، لكان من النبي عليه السلام توقيف الكافة عليه ، لعلمه بأنهم كانوا متفقين في الأصل على نفي الوضوء منه . فإذا أحدث لهم هذا الحكم وجب إعلامهم إياه ، لئلا يقدموا على الصلاة بغير وضوء ، كما وقف على الوضوء من البول والغائط . وكذلك خبر ( ترك الوضوء مما مست النار ) . وليس يجب أن يكون من جهة العامة للعلة التي وصفنا . وإيجاب الوضوء من هذه الأشياء حكمه أن يرد بالنقل المتواتر لما بينا . ومن نظائر ما ذكرناه في الأمور المستحبة ، وتفضيل الأعمال بعضها على بعض مما لا